الاثنين، 15 فبراير 2021

الفصل الثاني عشر

 

طلب الطبيب من فارس الدخول وطلب من ولاء الانتظار في الخارج قليلًا، طلب الطبيب من فارس مراقبة ولاء جيدا دون أن تشعر، خوفًا من حدوث محاولة انتحار أخرى، كما طلب منه البحث عن أية أوراق تحاول ولاء إخفاءها؛ لأنه يشعر أنها تُخفي شيئًا ما، معرفته ستساعد في علاجها، كما طلب منه معرفة اسم ومكان دار الأيتام التي تربت فيها ولاء واسم المدارس التي ارتادتها ولاء في سنوات تعليمها المختلفة.

بالفعل التزم فارس بكلام الطبيب وظل يراقب ولاء في الفترات التي يوجد بها في المنزل، ولكنه كان يعلم أنه يغيب لفترات طويلة خارجه للعمل، لذا طلب من والدته أن تقيم معه فترة حتى تتحسن حالة ولاء الصحية، لم يخبرها بمرض ولاء النفسي ولكنه أخبرها أن ولاء أجرت عملية المرارة وتحتاج للراحة، رغم عدم محبة أم فارس لولاء إلا أن علمها بمرض ولاء جعلها تفكر في فارس ومصلحته، وخافت على ولاء، فهي لا تحب في ولاء أنها تربت في ملجأ وليس داخل أسرة، هي تحب ولاء ولكن تكره طريقة تربيتها، تعرف أن ولاء على قدر كبير من التدين والأخلاق، ولكن يعكر ذلك كونها تربية ملاجىء، قررت والدة فارس أن تساعد ولدها في رعاية زوجته، ولتعود كما كانت بعد أن ترد على ولاء عافيتها.

والدة فارس من النساء الطيبات ولكنها تهتم لرأي الناس كثيرًا حتى وإن خالف ذلك شرع الله، كانت العادات والتقاليد بالنسبة لها أهم من الفروض والسنن، كانت تتمنى لولدها أن يتزوج فتاة من عائلة كبيرة محترمة، لا فتاة مثل ولاء، تعلم أن الجيران ينظرون لها نظرة سيئة، وتسمع كلامهم عن فارس "فارس أحلام" فتيات الحي "الذي لافت عليه واحدة تربية شوارع"، كانت تسمع همساتهم عليها وعلى ولدها، كانت كلماتهم سكينًا تُقطع في قلبها، لذا كانت تخرج ذلك في تأنيب ولاء وإذلالها وإهانتها في غير وجود فارس.

مر شهر آخر على خروج ولاء من المستشفى ورعاية والدته لها، إلا أن فارسًا بدا يلحظ تصرفات ولاء الغريبة وتعليق والدته عليها، كانت والدته تراقبها لتجد لها أي خطأ لتأنيبها عليه، وصب اللعنات على رأسها، هي ترى أنها مرت من العملية بسلام، لذا يجب أن تعود لسابق عهدها معها، ولكن هذه المرة لم تكن ولاء كسابق عهدها تسمع كلام حماتها وتشكرها عليه، لقد أصبحت شخصية أخرى ترد على كل كلمة بعشر كلمات، أهانت حماتها مما جعلها تترك له المنزل وتتصل به تشكو من سوء أدب ولاء معها وتخيره بينها وبين ولاء.

لم يعرف فارس كيف يتصرف، لقد تبدلت شخصية ولاء أصبحت سليطة اللسان، لقد سمع بنفسه إساءتها لوالدته، ولكنه لم يتدخل؛ لأنه سمع الموقف من بدايته لقد استفزت والدته ولاء كما اعتادت أن تفعل، إلا أن ولاء هذه المرة ردت لها الكلمة بعشر والصاع صاعين.

لقد عاد إلى البيت في موعده المعتاد، سمع والدته كعادتها تصب لعناتها على ولاء وهي في المطبخ

والدة فارس: إنتِ يا ست هانم لسه البيت ما اتروقش والأكل ما اتعملش أُمَّال الراجل اللي جاي وطفحان الكوتة عشان يأكلك ويصرف عليكِ ياكل إيه؟

ولاء بصوت مرتفع: إنتِ عايزة مني إيه؟، قومي اعملي الأكل هو الراجل ده مش ابنك برضه، ولا أنا الخدامة الخصوصي.

والدة فارس: إنتِ كمان بتردي عليا؟!

ولاء: أيوه أرد عليكي وعلى عشرة زيك..

والدة فارس: وربنا إنتِ ما شوفتي رباية ولا التربية عدت على بيتكم، وألَّا بيت إيه نسيت إنك تربية شوارع.

ولاء: تربية الشوارع دي هي صاحبة البيت وإن كان عاجبك ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل.

والدة فارس: أقسم بالله ما اقعد في البيت ده لحظة واحدة، ولا إنتِ تقعدي على ذمة ابني لحظة واحدة.

لم يستوعب فارس ما يحدث، أهذه هي ولاء زوجته وحبيبته؟!، أهذه هي ولاء التي كانت تسمع إهانتها وتصمت ولا ترد؟!، لم يعرف ماذا يفعل؟، حاول أن يهدىء والدته ويعتذر لها.

فارس: أنا آسف يا أمي، امسحي اللي حصل فيا أنا..

والدة فارس: والله ما أنا قاعدة فيه ولا لحظة، ولا أنت تبقى ابني لو ما طلقتش العقربة اللي إنتَ متجوزها دي.

فارس: معلش يا أمي، هي بس عصبية عشان تعبانة من العملية.

والدة فارس: عملية إيه؟ ما هي زي القرد أهي وبتخرج وتنزل ما اعرف رايحة فين ولا جاية منين، والزفت اللي اسمه إيه ده ماب ولا لاب، والله ما أنا عارفة اسمه إيه الهباب ده اللي مش بتسيبه، هي دي اللي اتحديتني عشان تتجوزها؟! اشربها بقى ولا أنتَ ابني ولا اعرفك إلا لما تطلقها.

فارس: اسمعيني بس.

والدة فارس وهي تحمل حقيبتها ووصلت لباب المنزل: خلاص يا فارس أنا قلت لك يا أنا يا هي وإنتَ اختار!!

ندم فارس كثيرًا على تسرعه في خروجها من المستشفى، واتصل بالطبيب المعالج لولاء، ذكره الطبيب بما قاله عندما حاول إخراج ولاء من المستشفى، لم يخبره الطبيب بتشخيص مرض ولاء تحديدا لأنه لم يتأكد منه بعد، ولكن كل ما أخبره به أن ولاء تعاني من اكتئاب شديد وميول انتحارية وعلاجها يحتاج لملاحظة طبية وعلاج لمدة 24 ساعة على مدار اليوم.

امتثل فارس تلك المرة لتعليمات الطبيب، وطلب من الطبيب الاتصال بالمستشفى لحجز مكان لولاء، وبالفعل دخلت ولاء المستشفى مرة أخرى، دون أن تعلم والدته أن ولاء دخلت مستشفى للأمراض النفسية أو سبب دخولها، لقد رفضت والدة فارس أن تجيب على اتصاله بعد أن ترك زوجته تهينها دون أن يردعها أو يعاقبها، ورغم محاولاته المستميتة أن يطيب خاطر والدته وأن يصالحها رفضت والدته كل هذه المحاولات وكان لها طلب أوحد، هو طلاق ولاء.

كان فارس يشعر أنه بين شقي الرحى، يحب ولاء ويعلم مرضها، ولكنه أيضًا يحب والدته ولا يستطيع البُعد عنها ولا يرضى لها الإهانة، كما أن ولاء ومنذ خرجت من المستشفى لم تسمح له بالاقتراب منها، كان يشعر فارس أنه وحيد، لأول مرة يشعر بالوحدة بعد زواجه، لم تعد ولاء تحكي له ما مر بها في يومها، لم تعد تحكي له عما ضايقها وما أضحكها، لم تعد تسأله عن يومه كما اعتادت، كانت دائما تجلس وحدها إما أمام اللاب الخاص بها أو تكلم الفراغ، شعر فارس أنه فقد ولاء وفقد حبها له، وبدا يفكر في الزواج بأخرى لتكون له سكنًا، لقد فقد الأمل في شفاء ولاء، خاصة بعد استسلامها للمرض والاكتئاب، ودعا الله أن يشفيها وأن تعود كسابق عهدها معه قبل وفاة ولدهما.

وفي خضم أفكاره تلك، كان يشعر بالحنين إلى ولاء؛ لذا فتح دولابها ليستنشق عبق رائحتها في ملابسها، ولكنه وجد بعض أوراق ولاء المطبوعة التي عرضتها على الطبيب في آخر زيارة، ولم تحكِ له كلمة واحدة عما تحتويه؛ لذا قرأ هذه الأوراق وبحث عن كل الأوراق في دولابها كما وجد اللاب الخاص بها، قرر أن يبدا بقراءة الأوراق، ثم يفتح اللاب ليرى ماذا تفعل وماذا تكتب عليه، بالفعل فتحه لقد كان يعرف كلمة السر الخاصة به، وعندما فتحته فتحت معه صفحة الفيس التي أنشأتها ولاء قبل دخولها المستشفى للمرة الثانية، وجد صفحة في منتهى المجون ورسائل أشد مجونًا من الصور، لم تكن ولاء ترد على أي من هذه الرسائل، ولكنها كانت تضع الصور الماجنة، شعر فارس فجأة بالدم يغلي في رأسه وعروقه بعد ما قرأه في أوراق ولاء وما وجده على جهاز اللاب الخاص بها، لقد كانت تخونه طوال الوقت، كانت تستغل عدم وجوده وانشغاله بالعمل ليستطيع تدبر نفقات علاجها، ودون أن يفكر قال "إنتِ طالق يا ولاء".

ذهب فارس للطبيب بالأوراق الخاصة بولاء التي وجدها تُخبئها في دولاب ملابسها وأطلع الطبيب على ما رآه في حسابها الذي ذكرته في تلك الأوراق ثم أخبره أنه طلق ولاء، امتص الطبيب غضب فارس وثورته، ثم أخبره أن مرض ولاء يجعلها تتصرف خلاله تصرفات متهورة ومندفعة غير مسئولة، ومع ذلك ركز الطبيب أن ولاء لم ترد على أي من الرسائل الموجودة على الصفحة وأنها ذكرت في أوراقها أنها أرادت أن تنتقم بفتح هذه الصفحة منه ومن كل الرجال، كما أن تاريخ آخر موضوع نشرته قبل دخولها المستشفى بشهر كامل، أي أنها كانت تهرب بتلك الصفحة من تسلط والدته عليها وما مرت به من أحداث، وحتى يراها هو؛ لتصل إلى هذه النتيجة وهي الطلاق!

طلب الطبيب من فارس مراجعة نفسه وإعادة التفكير فيما فعل وأن يحاول أن يجد أية ملفات مخفاة في جهاز اللاب الخاص بولاء أو أية أوراق تخصها وتخص الملجأ والمدرسة والجامعة، إلا أن ثورة فارس كانت تُعمي عينيه عن أي تفكير، ذهب لوالدته وأخبرها أنه طلق ولاء؛ لأنه لا يستطيع البعد عنها، صدقته والدته ولكنها شعرت بشعور مختلف شعرت بالفرح؛ لأن ولدها فضلها على زوجته التي تكره ارتباطه بها، ولكنها في ذات الوقت شعرت بالندم؛ لأنها تسببت في حالة الحزن التي وجدت عليها ولدها.

كانت والدة فارس تعاني من الحزن الذي تراه على وجه ولدها، إنه وحيدها وهي تحبه، إنه الولد الوحيد على ثلاث بنات، هو سندها في هذه الدنيا، ولكنها تذكرت كيف كانت ولاء تتحمل تسلطها عليها، بل إن ولاء قامت بتمريضها عندما مرضت وأجرت أكثر من جراحة عندما أخبرها الطبيب بضرورة استئصاله بعض الأجزاء من جسدها لاشتباه وجود أورام بها يشتبه في كونها أورامًا خبيثة، كانت ولاء معها في المستشفى، ثم مكثت معها في المنزل حتى أتمت شفاءها، تذكرت كيف كانت ولاء تتحمل سلاطة لسانها ولا تشتكي لفارس، لذا ذهبت إليه والدته في غرفته.


الفصل الحادي عشر

 

كان فارس يشعر بأنها ليست على ما يرام بعد كل علاقة منذ تزوجها، بعد ذلك اعتاد الأمر ولم يعره انتباهًا، ولم يعتبره مشكلة ليبحث لها عن حل، وهنا كانت غلطة فارس التي لم ينتبه إليها، وهي ما فاقمت مشكلة ولاء النفسية، لم تستطع ولاء التغلب على مشكلتها التي تسبب فيها أستاذ نبيل، وكان قرب فارس منها يذكرها بمرارة تلك التجربة، خاصة بعد أن تذكرتها وهي في المستشفى.

حاولت ولاء بعد خروجها من المستشفى الخروج عن صمتها والرجوع لحالتها الطبيعية، ولكنها لم تستطع أن تعود لحالتها الطبيعية، كان الصراع داخلها على أشده، كان هناك صراع بين شخصية ولاء المتدينة المحترمة المحبة لزوجها والمحبة للناس مهما كانت قسوتهم عليها، والشخصية الأخرى الكارهة لولاء المتدينة والكارهة لكل الناس خصوصًا فارس.

كان الصراع داخل ولاء بينها وبين نفسها، كان صراعًا على الحياة، كل منهما تريد الحياة لنفسها وقتل الأخرى، كان الصراع على أشده كان صراعها شديدا، وهي ترى ولدها يناديها ويطلب منها أن تذهب إليه لتؤنسه في وحدته، كانت تشعر أن حماتها على حق وأنها يجب أن تموت وأنها لا تستحق العيش، كيف تعيش وهي السبب في وفاة ولدها، واستسلمت ولاء في تلك الفترة لاكتئابها واستسلمت للموت، وقبلت أن تذهب إليه بإرادتها الحرة، لكي ترى طفلها الذي حُرمت منه وتؤنسه في وحدته.

كانت ولاء قليلة الكلام منذ عادت إلى المنزل، حتى أثناء جلساتها العلاجية لم تكن تتكلم بالكلام الكثير، لذا طلب منها الطبيب المعالج جميع الأوراق التي كتبتها في المستشفى وبعد خروجها ليستطيع مساعدتها، إلا أن ولاء كانت تحتفظ لنفسها بالأوراق التي تتذكر فيها ماضيها، وتخفي فيها مصائب الدهر التي واجهتها ولا يعلم عنها فارس شيئًا، لِمَ تُعطِ ولاء الطبيب أوراقًا ذات قيمة؟!، كانت تلك الوريقات التي رآها في المستشفى والتي تقول فيها إنها لا ترغب في الحياة وإنها لابد أن تموت فمن مثلها لا يستحق الحياة.

بعد مرور شهر على خروج ولاء من المستشفى كان لابد لها من التعامل مع الناس والعودة للعمل، والأهم من ذلك التعامل مع حماتها، وتحمل انتقاداتها؛ لذا قرر فارس أن يذهب لزيارة والدته دون ولاء ولتفعل والدته ما تريد، لن يسمح لوالدته بالتسبب في نكسة لزوجته وحبيبته، ما زال يشعر بالندم أنه أخرجها من المستشفى بسبب أنانيته، دون أن ينتظر أن تتم شفاءها، منذ خرجت من المستشفى لم تكن ولاء التي يعرفها، كانت تصرفاتها غريبة، كانت تقضي وقتًا طويلًا أمام جهاز اللاب الخاص بها ولا يعلم فارس ماذا تفعل.

وبسبب مصروفات علاج ولاء نفسيًا اضطر فارس أن يعمل في وظيفة أخرى مع وظيفته الحكومية لكي يستطيع الوفاء بتكاليف العلاج، لذا كان يتغيب فترات طويلة خارج البيت ويترك ولاء وحيدة مع ذكرياتها ومع جهاز اللاب، يا ليته ما فعل.

في فترات غياب فارس الطويلة عن المنزل أنشأت ولاء صفحة لها على الفيسبوك باسم مستعار لم يكن يدري عنها فارس شيئًا، وضعت فيها صورًا ماجنة وما إن أنهت صفحتها بالصور حتى انهالت عليها طلبات الصداقة من أشخاص وجدوا في صاحبة هذه الصور ضالتهم التي يبحثون عنها، صيدا سهلًا لن يكلفهم شيئًا.

عندما أنشأت ولاء هذه الصفحة كانت تشعر بالكراهية تجاه كل الرجال، وخصوصًا فارس، كانت تريد أن تنتقم منهم جميعًا ولا تعلم كيف، فكان انتقامها أن تقول لهم أنتم أغبياء تجرون وراء شهواتكم حتى لو كان ما تطاردونه خيالًا، فكانت هذه الصفحة التي أنشأتها لتشاهد كم هم أغبياء وكم هم شهوانيون، وجعلتها الصفحة التي تفتح تلقائيًا على جهاز اللاب الخاص بها لكي يراها فارس عندما يفتح جهازها، أما أوراقها وذكرياتها فكتبت كل ما كان في الأوراق على ملف في جهازها وأخفته فلا يصل إليه غيرها لتسطر فيه كل ذكرياتها التي ترغب في إخفائها عن الجميع، وتسطر فيها ما تفعله، وسبب تصرفها على ذاك النحو، لم تكن تعرف هل ما تفعله صواب أم خطأ، كانت تريد أن تنتقم من المجتمع ومن فارس ومن كل الرجال ولكنها لم تعرف هل فعلت ذلك حقًا أم لم تفعل، لم تعد تعرف، طبعت بعض تلك الأوراق ولأول مرة قررت أن تعرض بعض هذه الأوراق على طبيبها المعالج فهي أصبحت تثق به إلى حد ما؛ لذا قررت أن تعرض عليه هذه الأوراق.

عندما قرأ الطبيب أوراق ولاء طلب من فارس الانتظار بالخارج ليتحدث مع ولاء على انفراد، واستجاب فارس له وخرج.

الطبيب: مدام ولاء، إنتِ عارفة إنتِ كاتبة إيه في الورق ده؟

ولاء: أيوه عارفة.

الطبيب: كاتبة إيه؟

ولاء: عايزة أموت، أنا ما بقتش عارفة أنا خلصت من الماضي ولا لأ، عايزة أموت عشان أنا ما استحقش أعيش، أنا عملت صفحة ليا حطيت فيها كل حاجة أنا رافضاها كنت فاكرة كده بانتقم من الرجالة كلهم بس مش عارفة أنا بنتقم فعلًا منهم ولا من نفسي، عشان كده عايزة أموت.

الطبيب: طيب كويس إنك عارفة إنك لسه ما اتخطتيش الماضي، وإنك بتتصرفي باندفاع وتهور من غير تفكير وكمان عايزة تموتي، يعني الميول الانتحارية لسه موجودة.

ولاء: أنا حاسة إني اتنين بيتخانقوا واحدة فيهم متدينة ومحترمة والتانية مومس الاتنين بيتخانقوا بس دلوقتي خايفة المومس هي اللي تكسب.

الطبيب: مدام ولاء كلنا في جوانا اتنين عكس بعض تمامًا، والاتنين دول على طول في خناق ومعارك واحد منهم طيب والتاني شرير، ده طبيعي، وما ينفعش واحد منهم يموت، الحل إنك تتصالحي مع نفسك، بلاش الإحساس بالذنب المستمر حتى على الأفكار، ربنا مش بيحاسبنا على أفكارنا ربنا بيحاسبنا على أفعالنا، ولا إيه؟

ولاء: أنا مش عارفة أسيطر على نفسي بعمل ساعات حاجات كتير مصايب ومش عارفة اتصرف، أنا عملت حساب على الفيس عاملة فيه مصايب وكوارث، خايفة ومش عارفة اتصرف ولا أعمل أي حاجة وزيادة على كده عايزة فارس يشوفه عايزه انتقم منه هو كمان.

الطبيب: ما أنا قلت لك كلنا جوانا شخصيتين عكس بعض ولازم يبقى فيه كل شوية خناق بينهم، المهم إنك تعرفي تصالحي الاتنين دول على بعض، المتدينة المحترمة بره البيت وتعاملك مع الناس، التانية اللي إنتِ شايفة انها مومس خليها تتعامل بطريقة المومس مع زوجك، اتدلعي والبسي كل اللي نفسك فيه وإنتم مع بعض في البيت، اعرفي إننا كلنا كده واحنا اللي بنحدد مين اللي يظهر، بس من الأوراق دي قولتي إنك ما قدرتيش تتخلصي من الماضي، إيه هو الماضي ده؟

صمتت ولاء ولم ترد على الطبيب، شعر الطبيب أن هناك سرًا في حياتها تحاول إخفاءه عن الجميع، لم يرى جميع ما كتبته في مذكراتها، لقد حرصت على إخفاء الأوراق التي تحوي ذكرياتها التفصيلية واكتفت ببعض الأوراق التي تحتوي على المصائب التي فعلتها في حالات اندفاعها، لم يتأكد بعد الطبيب من تشخيص حالة ولاء فهو يشك في اكتئاب حاد أو أنها تعاني من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب مع بعض اضطرابات الشخصية، وبالتالي عليه وضع ولاء تحت الملاحظة الطبية وكذا البحث في الأمراض الوراثية في عائلتها والتعرف على ماضيها أجمع.


الفصل العاشر

 

حاول فارس أن ينام، ولكن يأبى النوم أن يجد إلى عينيه سبيلًا، مضت فترة طويلة قاربت على الشهر على دخول ولاء المستشفى وهو لا يستطيع النوم، يشعر بالألم الشديد لعدم قدرته على مهاتفتها وسماع صوتها وعدم قدرته على رؤيتها، لم يسمح له الطبيب بعد برؤيتها أو مهاتفتها، لأول مرة يبتعدا طوال هذه الفترة، لأول مرة يشعر أن ولاء هي من يعطي للبيت حلاوته وروحه، وهي من تجعله روضة من رياض الجنة، لم يعرف فارس كيف يُعد الطعام، لذا أصبح يشتري طعامه جاهزًا، لن يستطيع أن يذهب لأي من إخوته أو لأمه، فهن يعلمن أنه مسافر مع زوجته، يحاول أن يأكل طعامه فلا يجد له طعمًا، ليس كالطعام الذي تعده حبيبة قلبه، يحاول أن يبتلع طعامه بصعوبة، لم يكن يدري أن البيت بدون حبيبته هو جحيم يصْلِي الوجوه، تنهد فارس "أه يا حبيبة قلبي كم أشتاق لرؤياك، كم أشتاق لحضنك الدافىء".

كان فارس في البداية بعد علمه بدخول ولاء المستشفى يعتقد أن حجزها هناك سيعجل من شفائها ويخرجها من حالة الاكتئاب التي سيطرت عليها كما سيخفف من الضغط النفسي الواقع عليه وهو يراها تذبل أمامه ولا يستطيع أن يساعدها، اعتقد أنه يحتاج لبُعدها ليستطيع لملمة شتات نفسه، ولكنه اكتشف عندما غابت فعلًا أنها هي من كانت تخفف عنه مرضها واكتئابها، وأنه لا يستطيع العيش بدونها، لقد شعر أنه يحتاج إليها أكثر من احتياجها له، لقد شعر أنه طفل ابتعد عنوة عن والدته، ويأبى أن يعيش بدونها، لذا اتخذ قراره سيتصل بالطبيب لابد أن تخرج ولاء من المستشفى وسيقوم هو على رعايتها، لن يتركها تغيب عن عينيه، قرر فارس أنه يستطيع تحمل تقلبات ولاء المزاجية، ويستطيع حمايتها من نفسها ومن محاولات الانتحار، اتصل بالطبيب وهو في حالة يرثى لها يكاد قلبه يتقطع على حبيبته وتحول لطفل صغير لن يصمت حتى تعود له والدته، سمح له الطبيب بعد إلحاح شديد بمهاتفة ولاء والاطمئنان عليها، ولكنه حذره من خطورة خروج ولاء من المستشفى قبل إتمام الشفاء، لم يسمع منه فارس أية كلمات سوى أنه يستطيع الآن مهاتفة ولاء.

لم يكن فارس يتوقع أن تظل ولاء مصرة على قرار الصمت وعدم الكلام طوال هذه الفترة بل وتصر على عدم الكلام معه هو أيضًا، لم تهاتفه ولاء بل أصرت على عدم التحدث معه كانت تصر على الصمت التام، مما جعل فارس يجن، ثار فارس وذهب للمستشفى وهو لا يدرك ما يفعله، حرر محضر ضد المستشفى باحتجاز ولاء ضد إرادتها، تم إبلاغ الطبيب بوجود الشرطة في المستشفى وتحريره محضر ضد المستشفى.

حضر الطبيب وحذر فارس في محضر رسمي من خطورة التطورات التي يمكن أن تلحق بولاء وضرورة وضعها تحت الملاحظة الطبية، وأن خروجها في ذلك الوقت خطر على حياتها، ولكن مع إصرار فارس أنهت المستشفى إجراءات خروج ولاء مع توقيع فارس على إقرار خروجها وعدم مسئولية المستشفى والطبيب المعالج عن تبعات ذلك عليها.

كتب الطبيب العلاج وحدد موعد الجلسات التي لابد من الخضوع لها، وافق فارس على الجلسات وطريقة العلاج التي طلبها الطبيب، فهو لم يكن يشعر بشيء سوى أنه يريد أن يرى ولاء، أن يحتضنها، أن يعتذر لها عن عدم قدرته على ملاحظة تعبها وحالتها المتهدورة.

وبالفعل خرجت ولاء من المستشفى ومعها أوراقها التي كتبت بها ما جال بخاطرها طوال فترة وجودها بالمستشفى، والأوراق التي تواصلت من خلالها مع التمريض والأطباء، لم يلاحظ فارس أن ولاء تحاول إخفاء بعض الأوراق عندما وصلا للمنزل، كما لم يلاحظ أن ولاء لم تكن على طبيعتها، لقد كانت ساهمة شاردة طوال الوقت، تنحدر الدموع من عيونها أنهارًا، عندما وصلت بيتها واحتضنها فارس كانت ولاء في عالم آخر غير الذي توجد فيه فعليًا.

لم تكن ولاء ترى زوجها وحبيب قلبها، كانت في عالم آخر، عالم اعتقدت أنها نسته بزواجها من فارس وحبها له وحبه لها، ولكن هيهات يأبى عقلها طي ما حدث في الماضي، وتأبى ذاكرتها نسيانه، على قدر ما كانت تحتاج لحضن زوجها الدافىء والشعور بالأمان في أحضانه، كانت تشعر بالخوف وتتذكر نبيل ومن على شاكلته، فما كان منها إلا أن بكت بشدة وحاولت الابتعاد عنه لم يفهم فارس سبب ذلك؛ وكلما زاد بكائها احتضنها بشدة حتى يخفف عنها وحاولت هي الابتعاد أكثر، كان حضن فارس بالنسبة لها يجمع كل المتناقضات، الحب والكره، الأمان والخوف، الحياة والموت، ولكنها كانت تحب فارس وهو الشخص الوحيد الذي كانت تشعر معه بالأمان، تعلم أنه أمانها وأنه هو من يزود عنها الألم وشرار الناس.

الأحد، 14 فبراير 2021

الفصل التاسع

 

كان دائم العقاب لنا، وكان يمعن في إذلالنا أمام باقي الطلبة، يعاقبنا بالوقوف قرب السبورة ورفع أيدينا طوال اليوم، وكان هو يشرح الدروس ويكتب على السبورة ويضربنا، في أول يوم لتذنيبي على السبورة بدا مرحلة الضرب والتوبيخ، وعندما رن جرس "الفسحة" شرعت بإنزال يدي والخروج، إلا أنني فوجئت بعصاه تنهال عليَّ وطلب مني العودة كما كنت، ضحك الأطفال عليَّ كثيرًا وخرجوا للعب، خرج داوود وإيمان مجبرين بعد أن ضربهما لإجبارهما على الخروج من الفصل، أغلق أستاذ نبيل باب الفصل، شعرت بالخوف الشديد وهو يقترب مني جريت لآخر الفصل وأنا أبكي، خلته سيضربني ثانية، إلا أنه وبسرعة كمم فمي واقتحمني عنوة، لتخرج صرختي مكتومة، انتهى مني وهددني إذا تكلمت، ونصحني باعتياد ذلك الفعل.

كم بكيت ذلك اليوم، كم كرهت المدرسة وكرهت كل الرجال، تكرر الأمر في اليوم التالي مع إيمان، نظرت إليها أواسيها فيما سيحدث لها، فقد حكيت لها هي وداوود عما فعله أستاذ نبيل بي، كم بكينا بعد ما حدث معي ومع إيمان وداوود، وظل ذلك الوضع قائمًا لمدة شهر كامل، لم نعرف ماذا نفعل، إنه المدرس الخاص بفصلنا، طلبت من أبلة سلوى نقلنا من فصل أستاذ نبيل، ولكن مديرة المدرسة لم توافق على النقل وقالت لنا إن من هو في مثل ظروفنا لا يطلب شيئًا ويحمد الله على ما يجده، وجدتني أبكي وأحكي لأبلة سلوى ما يفعله أستاذ نبيل بنا، كنت أكرهه بشدة، أكره ما يفعله وأشعر بالاشمئزاز الشديد منه وإن لم أفهمه حينها، لم تصدقني أبلة سلوى في بادىء الأمر؛ لذا طلبت منها أن تأتي غدا بعد انصراف الطلبة لترى بأم عينها ما يفعله بي، وبالفعل جاءت كما قلت لها ووجدت دموعي وآلامي أمامها، لم تعرف ماذا تقول أو ماذا تفعل؟ لأول مرة أرى الخوف في عين أستاذ نبيل، طلبت أبلة سلوى منه مقابل صمتها عما رأت الآن أن يتقدم بطلب لنقله فورًا من المدرسة وهي ستتكفل بموافقة مديرة المدرسة على النقل.

وبالفعل تم نقل هذا المدرس من المدرسة، ولأول مرة منذ شهر أشعر بحريتي أنا وإيمان وداوود، ولكن ما لم نستطع التخلص منه هو نظرة الطلبة لنا على أننا مرض يجب التخلص منه والابتعاد عنه، لم يكن لنا أصدقاء سوى بعضنا البعض، لم يكن عقاب أستاذ نبيل بالنقل خوفًا علينا ولكن رأت مديرة المدرسة التكتم على الأمر والموافقة على نقله دون اتخاذ أية إجراءات ضده حفاظًا على سمعة المدرسة؛ حيث إننا لقطاء ولن نستطيع الذود عن أنفسنا أو طلب حقنا ممن آذانا، واستمر بنا الحال هكذا، دون أصدقاء ونعاني من نظرات الاحتقار لنا من زملائنا ومدرسينا، لم يقترب منا أحد بعد ذلك، لم يمسنا أحد بعقاب بدني أو يعتدي علينا، ولكننا كنا قد كرهنا المدرسة والمدرسين والرجال كافة، أنهينا المرحلة الابتدائية، ولكننا خرجنا من هذه المرحلة دون ضحكة داوود ودون براءتنا نحن الثلاثة، خرجنا ونحن نكره العالم خارج دار الأيتام ونكره المدرسة والدراسة والطلبة.

تركنا داوود بعد انتهاء السنة الخامسة الابتدائية لانتقالنا جميعًا للمرحلة الإعدادية، في تلك المرحلة نقلت أنا وإيمان لدار أيتام أخرى للفتيات في المرحلة الإعدادية والثانوية وكذلك نقل داوود لدار أيتام للذكور في المرحلة الإعدادية والثانوية، في تلك المرحلة كانت المدارس تابعة لدار الأيتام فكنا جميعًا لنا ذات الوصمة وذات العار، وكلنا يحاول دفن حرجه مما لحق به من المجتمع الخارجي.

اتفق ثلاثتنا بعد أن علمنا بخبر نقل داوود أن يلقانا داوود أمام الدار التي جمعتنا سويًا نحن الثلاثة وبعدها يرينا الطريق إلى مدرسته والدار التي أُلحق بها، كما نريه أنا وإيمان طريق الدار التي انتقلنا إليها وطريق المدرسة التي أُلحقنا بها، وبالفعل ظللنا معًا نحن الثلاثة نحمل آلام الماضي وندعو الله ألا يتكرر ذلك.

ارتديت أنا الحجاب في المرحلة الإعدادية بينما رفضت إيمان ارتداءه، لا أنسى قولها عندما تحدثنا سويًا عن ضرورة ارتدائها للحجاب "لن أرتديه، أنا وصمة عار في جبين المجتمع ولن أتزوج سوى شخص له مثل ظروفي، بل وبعد ما فعله بنا ذلك المدرس أعتقد أنني أصبحت لا أصلح زوجة لأحد، لقد جعلني مومسًا"، كم شعرت بالألم عندما تذكرت ما حدث، لم أنسه يومًا ولكن كنت أحاول أن أتناساه كأنه لم يحدث، أحاول دفنه في غياهب عقلي التي لا أعلم عنها شيئًا، ولكن إيمان معها كل الحق لقد قضى ذلك الحيوان على مستقبلنا من ذا سيقبل بنا، بكيت على نفسي وعليها، حيث شعرت أنها قررت أن تمضي حياتها في طريق وحده الله يعلم منتهاه، حاولت أن أبعدها عن ذلك الطريق، لقد كبرنا مبكرًا وعلمنا أن المجتمع يدفعنا دفعًا لطريق الفساد والشرور ثم ينعتنا بأننا لقطاء وتربية شوارع، لقد صنع منا المجتمع قنابل موقوتة كارهة له.


الفصل الثامن


 

من أوراق ولاء..

أتذكر ذلك اليوم جيدًا، إنه أول أيام الدراسة وذهابي للمدرسة، ذهبت مع بعض الأطفال معي من الملجأ، وداخلنا خوف كبير وعلامات استفهام أكبر لأول مرة نغادر الملجأ، طلبت منا مشرفة الملجأ الذهاب للأخصائية الاجتماعية بالمدرسة وعدم الاختلاط بالأطفال الآخرين، وبالفعل سألنا عن الأخصائية الاجتماعية عندما وصلنا المدرسة، وتعرفنا عليها وبدأت في إعطائنا بعض المعلومات عن المدرسة والدراسة وسلمتنا الزي الدراسي الخاص بالمدرسة، كما سلمتنا الكتب الدراسية.

كانت أبلة سلوى  -كما اعتدت أن أناديها- أطيب من قابلت، أذكر حين سألتها عن سبب طلب المشرفة منا عدم الاختلاط بالأطفال الآخرين ردت عليَّ ردًا مختصرًا لم أفهمه حينها "لأنكم مختلفون، والبشر تخاف الاختلاف، ولأنكم ضعفاء والبشر يبحثون عن الأضعف ليقهروه، نخاف عليكم من خوفهم منكم ورغبتهم في قهركم." كان رد أبلة سلوى غريب؛ فكيف نكون مصدرًا للخوف ويقع علينا القهر؟

كنا نحن الثلاثة أنا وإيمان وداوود من التحق بهذه المدرسة من الملجأ، كما كنا معًا في ذات الفصل، إيمان هي صديقتي من الدار منذ فتحت عيني على الدنيا كانت معي، أكبرها بشهرين، جميلة هي بيضاء صهباء، ذات عيون عسلية وأهداب طويلة، أحب أن أنظر لعينها، كانت معي في نفس العنبر تنام على الفراش الذي يقع على يميني، إلا أن إيمان لا تعرف لها أهلًا لأنها كما يذكر المحضر الذي حُولت به للملجأ، وُجدت تحت إطار إحدى السيارات، أما داوود فهو أرق طفل يمكنك أن تراه في حياتك، ظل معنا في الدار حتى أنهينا المرحلة الابتدائية ثم ذهب إلى دار أخرى، كما فعلنا نحن أيضًا، ذهبنا لدار للإناث فقط وهو ذهب لدار للذكور فقط، أسمر البشرة، كانت له ضحكة لا تموت -ولكنها ماتت في أول شهور الدراسة- جعد الشعر أسوده، هادىء الطباع.

في بداية اليوم الدراسي دخلنا الفصل لنبدا أولى خطواتنا في الحياة خارج الملجأ، في الملجأ كنا نعرف أننا أيتام ولكن لم يكن أحد يعيِّرنا بذلك، ولكن في المدرسة دخل المدرس وفي بداية الحصة سأل عن أسمائنا وعمل الأب، وعندما جاء الدور علينا لم نعرف ماذا نقول، نظرت لإيمان وداوود كما نظرا هما إليَّ وأمسكت إيمان يدي، وكأننا اتفقنا على الرد،

-اسمي إيمان، يتيمة وما أعرفش أي حاجة عن أهلي.

-اسمي ولاء، يتيمة والدي ووالدتي اتوفوا في حادث سيارة.

-اسمي داوود، يتيم والدي الله يرحمه كان محاسب.

نظر لنا المدرس بتهكم وقال "هو أنتم اللي جايين من الملجأ؟" وكان ردنا عليه بالإيجاب.

لم نفهم في ذلك الوقت أن إجابتنا هذه ستكون بداية الوبال علينا، فهذا المدرس، ومثله كثيرون، لم يفهم أن كل واحد منا له حكاية وراء دخوله الدار، وأننا لسنا كلنا لقطاء ولا ذنب لنا فيما حدث من آبائنا أو حدث لهم، فحكايتي كما سطرتها وكذلك إيمان أما داوود دخل الدار منذ أقل من سنة بعد وفاة والديه في انهيار عقار وأودعه عمه دار الأيتام لعدم قدرته على تربيته والإنفاق عليه، إننا لم نفهم أن هذا السؤال كان يحمل الاستهزاء بنا، وبداية قهرنا من مجتمع لا يرحم من كان ضعيفًا.

كان اسم هذا المدرس أ/نبيل، ولكنه لم يكن نبيلًا قط، كان يدرسنا في الصف الأول الابتدائي، جعل منا نحن الثلاثة أضحوكة بين التلاميذ، كان يتعمد إذلالنا وإهانتنا أمام زملائنا، كان يختارنا نحن بالذات للأسئلة التي يعجز الطلبة عن حلها، في البداية كنا نخجل لأننا لا نعرف الحل ولكننا اعتدنا ذلك بعد فترة، كان يبدأ في النقد والتهكم علينا، ثم يلعن التعليم المجاني الذي يأتي باللقطاء للتعليم.

بعد أول أسبوع من الدراسة ابتعد عنا الطلبة، وبدأنا نرى الاحتقار في نظراتهم، ولم نعرف سبب ذلك، فسألنا أحد الطلبة عن سبب ابتعادهم وقال لنا "أستاذ نبيل قال لماما إنكم من الملجأ وإنها لازم تخاف عليا منكم" كان رد زميلنا غريب علينا ولم نفهمه آنذاك، وكان ما فهمناه فقط وقتها أننا لن نجد من يشاركنا اللعب والضحك والمذاكرة ولكننا لم نفهم حينها معنى أن تكون لقيطًا، لم نفهم معنى أن تكون وحدك تواجه هذه الحياة بلا عون أو سند، ابتعد عنا الجميع، لقد خاف منا أهالي باقي الطلبة وبدأت سلسلة القهر، حيث كشر الوحش عن أنيابه، فأستاذ نبيل لم يكن متزوجًا، وكنا بالنسبة إليه هدية جاءته على طبق من ذهب، كان يعشق الأطفال ولكنه ينتقي منهم من لا أهل له ولا سند، وقادنا حظنا العاثر إليه.

الفصل السابع

 

رغم مرور أُسبوع كامل على وجود ولاء في المستشفى، لم تتكلم كلمة واحدة لأي طبيب، إما تبكي أو تصرخ جراء كابوس أو تتكلم بصوت خفيض لا تتبين منه ما تقول، فشلت جهود الأطباء في حثها على الكلام، كما فشلت المهدئات في تهدئة الحالة الهيستيرية لها، اضطر الأطباء طوال ذلك الأسبوع إلى استخدام المهدئات والمنوم حتى تستقر الحالة، وبالفعل بدأت الحالة في الاستقرار ولكنها لا تزال ترفض الكلام بصوت مسموع لم يعرف طبيبها تحديدًا إن كان رفضها الكلام بإرادتها أم رغمًا عنها؛ لذا طلب منها أن تكتب إذا كانت غير قادرة على الكلام.

استجابت ولاء لفكرة الكتابة وأول ما كتبته "مش عايزة اتكلم أنا عايزة فارس" .

الطبيب: حاضر يا ولاء فارس هسمحله بالزيارة، بس أنا عايز أعرف مالك؟ إيه اللي حصل وصلك لحالة الانهيار دي؟

كتبت ولاء: مش عارفة، أنا مخنوقة ومش عايزة أعيش، اللي زيي مينفعش تعيش، عايزة أموت عايزة أموت وانهارت باكية.

الطبيب: الموت والحياة مش بإيدينا دي أقدار ربنا كتبها، ومفيش حاجة تستاهل نخسر أخرتنا عشانها.

كتبت ودموعها تبلل الورق: حماتي صح، أنا عالة على المجتمع جيت غلط، حتى ابني معرفتش آخد بالي منه، أنا اللي قتلته.

الطبيب: ولاء اهدي إنتِ مش مسئولة عن موت أحمد، ده قدر ربنا وقضاؤه، وبعدين إنتِ كنتِ قائمة بمسئولياتك على أكمل وجه، ده كلام أستاذ فارس، أما حماتك فانتِ عارفة إنها مش بتحبك وعايزة تخلص منك، يبقى ليه تسمحي لكلامها إنه يهزمك ويوصلك للمرحلة دي؟

كتبت: فارس دايمًا شايفني مثالية في كل حاجة، بس أنا مش كده، فارس يستحق واحدة أحسن مني مليون مرة، مش واحدة تربية ملاجىء.

الطبيب: ولاء فيه إيه مش عايزة تقوليه؟ وإنتِ مش عايزة تتكلمي وألا مش قادرة؟

لم تُجب ولاء على سؤاله ولكنها انهارت في البكاء مرة أخرى، طلب الطبيب من الممرضة إعطاء ولاء حقنة مهدئة، وعدل في الأدوية المعطاة لها، كما طلب من التمريض إعطاء ولاء أوراقًا وأقلامًا لتكتب فيها ما يجول بخاطرها أيًا كان للوصول لسبب الحالة التي تمر بها حتى يستطيع تشخيص مرضها وسبب حالة الاكتئاب والميول الانتحارية التي تمر بها.

وفرت الممرضة لولاء أوراقًا وأقلامًا بجانب فراشها، وكانت تسمع ولاء تُكلم أشخاص ولكنها لم تسمع تحديدًا ما تقوله ولاء، ولكنها فهمت مما تسمعه أنها تحدث ولدها، كانت تلاحظ كلام ولاء وتصرفاتها دون أن تشعر ولاء بذلك.

عادت ولاء بالذاكرة لأيام حياتها في الملجأ، تذكرت الحياة هناك، كما تذكرت المدرسة الابتدائية وأبلة سلوى الأخصائية الإجتماعية بالمدرسة، كانت أبلة سلوى أقرب المدرسين لقلب ولاء، عندما وجدت نفسها تتذكر أيامها السابقة أمسكت بالأوراق لتسطر بها كل ما تتذكره، لا تعلم لماذا تكتب ولكنها شعرت بالرغبة في كتابة حياتها السابقة لتتحول إلى سطور تقرؤها لتعينها على فهم ما مضى وكتابة سطور جديدة لمستقبلها، ولكنها أخفت هذه الأوراق عن الطبيب المعالج لها وعن فارس أيضًا.


الفصل السادس


 غادر فارس المستشفى، مر عليه أسبوع كامل لم ير فيه ولاء ولم يتحدث إليها، شعور مرير بالوحدة جعله يتذكر حياته الماضية مع ولاء، تذكر كيف رآها في الإدارة التي يعمل بها صديقه علي، كيف دخلت قلبه منذ اللحظات الأولى منذ وقعت عيناه عليها، أحبها حبًا شديدًا لم يدر له سببًا، سأل عنها واستغرب أن لا أحد يعرف أي شيء عنها وأُعجب بأخلاقها، لم تكن كثيرة الكلام ولم تُكون صداقات في العمل، إلا أن فارس عزا ذلك لأنها حديثة التعيين في المصلحة، وتذكر كيف تزوجها ورد فعل والدته.

فارس: ست الكل عايز أتكلم معاكِ شوية، فاضية؟

والدة فارس: شكلك فرحان ومبسوط، خير يا ابني إحساسي بيقولي إن فيه خبر حلو.

فارس: فعلًا يا أم فارس، أنا عايز اتجوز.

والدة فارس وهي لا تصدق ما سمعته للتو: يا ألف نهار أبيض يا ابني، شكلك اخترتها كمان، هي مين؟ وعندها كام سنة؟ وعرفتها منين؟

فارس: صبرك شوية عليا شوية يا أم فارس.

والدة فارس: أنا الدنيا مش سايعاني من الفرحة قوللي بقى.

فارس: هي زميلتي في الشغل، وأصغر مني ب 3 سنين.

والدة فارس: حلوة يا واد وألا تكون وحشة؟

فارس: زي القمر ومحجبة وملتزمة زي هويدا تمام.

والدة فارس: كلمتها طيب، واتفقت معاها نخطبها إمتى؟

فارس: هي موافقة، بس فيه حاجة.

والدة فارس: لو على الفلوس متشيلش هم كله يتدبر ولو على الشقة إنت كده كده شاري شقتك في السيدة زينب الشبكة والمهر سيبهم عليا لو مش عامل حسابك.

فارس: المشكلة في حاجة تانية غير الفلوس.

والدة فارس: قول يا ابني قلقتني، هي مطلقة أو متجوزة قبل كده؟

فارس: لا يا أم فارس، هي يتيمة والدها ووالدتها متوفيين.

والدة فارس: يا عيني يا بنتي، طيب هنطلبها من مين؟

فارس: من نفسها يا حاجة.

والدة فارس: نعم يا عين أمك؟

فارس: هي مقطوعة من شجرة.

والدة فارس: أُمَّال مين اللي رباها؟

فارس: دار أيتام.

لم يكد يكمل فارس جملته الأخيرة حتى انتفضت والدته من مكانها وكأن ثعبانًا قد لدغها لتوه، وولولت وصرخت: يعني من كل البنات اللي بيتمنوا التراب اللي بتمشي عليه متعجبكش غير تربية الشوارع اللي لا ليها أهل ولا أصل ولا فصل، دي اللي اخترتها يا ابني.

فارس: أنا اخترت خلاص وهتجوزها يعني هتجوزها.

والدة فارس: وأنا مش موافقة.

فارس: مفيش مشكلة برضه هتجوزها.

والدة فارس: لا وربنا دي عملالك عمل ولا تكونش غلطت معاها وعايز تصلح غلطتك ما هي تورطك وتتجوزها هي تطول واحد زيك؟!

فارس بعصبية: كفاية غلط فيها أنا قررت إني هتجوزها خلاص سواء وافقتي أو لا، مش مسئوليتها إن أهلها ماتوا.

والدة فارس: ماتوا وألا هي ما لهاش أهل أصلًا.

فارس: ماتوا.

والدة فارس: طب لو وافقتك وقلت ماشي هتقول إيه للمعازيم لما يسألوا عن أهل مراتك؟

فارس: مفيش فرح ولا معازيم هنعمل كتب كتاب في المسجد ونسهر أنا وهي في أي مكان وأروح على بيتي.

والدة فارس: كمان مش هفرح بابني الوحيد عريس، وربنا ما يحصل.

فارس: كتب الكتاب هيبقى أول خميس بعد ما أفرش الشقة.

والدة فارس: يا عيني عليا، وقال إيه مستنية افرح بابني واشوفه عريس في الكوشة أخرتها كتب كتاب ويروح كإنه عامل عملة ويتجوز ده أهل الحي هياكلوا وشي منك لله يا شيخ.

فارس: خلصت يا أم فارس، هتقفي تفرشي معايا وألا لأ؟

والدة فارس: لا يا فارس خلي بسلامتها تبقى تفرش الشقة، مليش فيه مش إنت مصر عليها اشربها بقى.

فارس: حاضر يا أمي هشربها بس خليكي فاكرة إنها من اللحظة دي خطيبتي هنزل اشتري الشبكة وألبسها لها الخميس الجاي عرفي أخواتي.

والدة فارس: والله ما يحصل الشبكة يوم كتب الكتاب وإن كان عاجبكم إنتم الاتنين.

فارس: هي كده حاضر، يبقى أنا هكلم البنات ينزلوا معانا في شرا الشبكة يوم الخميس ومفيش فصال وتلبس الشبكة يوم كتب الكتاب، بس هي من اللحظة بقت خطيبتي ومسمعش عنها كلمة وحشة ولا حد يتكلم عنها بسوء أو يكشر في وشها وإلا كلكم عارفين فارس ودماغه لما تركب شمال.

والدة فارس: حاضر يا فارس، هي عملت فيك كده ويا دوب كلام أُمَّال بعد الجواز هتعمل فينا إيه؟

تركها فارس ولم يعول على كلامها وبالفعل تم ما أراده لقد تزوجها رغمًا عن إرادة والدته، لقد رفضتها والدته لأنها "تربية شوارع"، لم تعترف والدته بأن ولاء لا ذنب لها في وفاة والديها وتربيتها في دار للأيتام.

كما تذكر أيضًا كيف تورد وجه ولاء عندما صارحها برغبته في الزواج منها وحبه لها، وتغيرها المفاجىء من الفرحة الخجلة إلى الحزن الذي أطل من عينيها، خجلها وخوفها من ردة فعله عندما يعرف أنها تربت في دار للأيتام، وأن والديها توفيا جراء حادث سيارة.

تذكر كيف فرحت عندما طمأنها أنه يحبها ويحب أخلاقها، وكيف واجه والدته وأختيه وكيف أقنعهن بولاء، كان يعلم أن والدته وأختيه وافقن شفهيًا على زواجه من ولاء ولكنهن منذ تزوج وهن لم يكففن يومًا عن مضايقة ولاء في غير وجوده، وتذكر كيف كانت ولاء تتحمل منهن إساءتهن المتكررة ولا تتذمر ولا تشتكي إليه حرصًا على عدم إغضابه بكثرة شكواها من أسرته.

كان حبها يزداد في قلبه مع كل موقف وكل كلمة، جعلته ولاء يشعر أنه كل حياتها، وأنه أفضل ما حدث لها في حياتها، كانت تشعره بأنه زوجها وحبيبها ووالدها وأخوها وكل ما لها في هذه الدنيا، دائمًا كانت تكرر على مسامعه أنه هدية رب العالمين لها، كانت تصرفاتها دائما تقول له أنت محور حياتي بل أنت حياتي كلها، لا أشعر بالأمان إلا وأنت جواري.

أعاد فارس في ذاكرته أحد المواقف التي شهدها بنفسه تحدث بين والدته وولاء، ومنها ذلك الذي يتذكره جيدًا والذي كان منحنى خطير في علاقته مع والدته.

تذكر ذلك اليوم عندما وصل مبكرًا من عمله وكانت ولاء في أجازة من عملها لمبيت والدته عنده فهو يعرف أن والدته دائمًا ما تدعي أنها لا تستريح في الإقامة لدى شقيقاته لتبيت لديه، لكنه كان يعرف السبب؛ فوالدته شعرت أن ولاء سرقت منها ولدها وجعلته يخيرها بين زواجه برضاها أو زواجه بدون موافقتها ومباركتها، حبًا في ولدها وافقت ظاهريًا ولكنها كانت تتحين الفرص لإهانة ولاء ومضايقتها عاد في ذلك اليوم مبكرًا ليُفاجىء والدته وزوجته بدعوته لهما للغداء خارج المنزل وكان عمر زواجه آنذاك عامًا واحدًا فتح الباب وسمع صراخ والدته في ولاء جاء الصوت من المطبخ.

والدة فارس: إنتِ يا شملولة لسه ما خلصتيش الغدا، جوزك زمانه جاي، ولا إنتِ يهمك في إيه ما هو سايبك على مزاجك.

ولاء: يا طنط الأكل خلاص بيستوي، وبعدين مش حضرتك اللي أصريتي إني أنفض الشقة كلها النهاردة وامسحها وبعدين اطبخ.

والدة فارس: قصدك إيه يعني؟ مشغلاكِ في الفاعل، هو ده مش بيتك برضه وواجب عليكِ تنضفيه وتطبخي لجوزك عشان ييجي يلاقي لقمة ياكلها، واحدة زيك المفروض تعيش خدامة لجوزها مش كفاية إنه رضي بيكِ ولمك من الشوارع وعمل لك قيمة؟

جاء صوت بكاء مكتوم من المطبخ وهي تقول لوالدته: عندك حق يا طنط.

والدة فارس: أيوه أيوه اعمليهم عليا فاكراني هصدق دموع التماسيح دي!!

ولاء وهي تبكي: شكرا يا طنط..

والدة فارس وقد علا صوتها بما يكفي ليسمع سكان القاهرة جميعهم: فكرك دموعك دي تخيل عليا يا تربية الشوارع يا خطافة الرجالة، والله لا أجوزه ست ستك اللي تجيبلي أحفاد تكون أمهم حاجة تشرف مش أرض بور زيك يا عرة الحريم، وأخليكِ عندها خدامة، عيطي عيطي ما إنتِ أصلك ما عندكيش كرامة واحدة غيرك كان زمانها طلبت الطلاق من بدري، لكن هتجيبي الكرامة منين؟! إنتِ اتحدفتي علينا من أنهي داهية؟!

هنا لم يتحمل فارس أن يسمع المزيد، لم يكن فارس يتوقع أن تقول والدته ذلك الكلام الجارح والمهين لزوجته وتعيرها به، نزل كلام والدته عليه كالصاعقة، كيف تستطيع أن تكلم ولاء بهذه الطريقة؟ وكيف تصمت ولاء على ذلك ولا تقول له؟

دخل جريًا للمطبخ فوجد الدموع تنحدر على وجه ولاء شلالات وأنهارًا وهي تشكرها كبرت ولاء في عينه بعد ذلك الموقف؛ ثار على والدته.

فارس: بقى كده يا أم فارس، هي دي اللي قلت لك كرامتها من كرامتي، لا هي عندها كرامة ومتربية، عارفة ليه عشان لو مش متربية كانت ردت عليكِ الرد اللي يستحقه كلامك ده، لو سمحتي حضري هدومك عشان أروحك على بيتك، البيت ده مينفعش تقعدي فيه طالما غلطي ف صاحبته.

انهارت والدة فارس من كلام ولدها وبكت: بقى كده يا ابني بتطردني من بيتك عشان واحدة زي دي لا ليها أهل ولا أصل.

فارس: كفاية لحد كده، انتهى الكلام، لو مكنتش سمعت بنفسي كلامك ما كنتش صدقت.

ثم وجه كلامه لولاء التي صعقت مما حدث: وإنتِ ازاي تكلمك كده وما تقوليش؟!

ولاء وهي مازالت تبكي: أقول إيه؟ يعني ابقى سبب في مشكلة ليك مع أهلك؟

والدة فارس: اعمليهم عليه ما هيصدق.

فارس موجهًا كلامه لوالدته: ما اسمعش كلمة تاني وإلا وربي ما ادخلك بيت تاني.

وأخذ فارس والدته وأوصلها لمنزلها بعد أن منعها من المبيت في بيته لمدة تقارب السنة، وهددها إذا ما كررت هذا الكلام مرة أخرى أنه لن يدخل لها بيتًا جعلته هذه الذكريات يتنهد طويلًا ويقول "آه يا ولاء، يا منية القلب، ماذا بكِ؟ وما أوصلك لتلك المرحلة، أوحشتني كثيرًا".


الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...