الأحد، 15 نوفمبر 2015

إسماعيل -الفصل الخامس (أطياف من الماضي)

اعتدت على ظهور عثمان وليلى وأنا في الثالثة من عمري وكنت، أعلم من هما، ولكن كنت استغرب من مناداة شمس لليلى بأمي. وعندما وصلت لسن الرابعة أخبرتني أمي أن عثمان والدي وأن ليلى جدتي –رغم أنني كنت أعرف أنها زوجة أبي، ولكن أمي لا تعرف أني أعرف ذلك –وكانت تقول لي أنهما يظهران للاطمئنان علينا ورعايتنا.
رحب والدي بدراستي في الأزهر، وكان يحب ذكائي وفطنتي، لا أعرف إن كان هو وليلى يدركان أني أراهما منذ وقت طويل وأعرف من هما وأسمع كلامهما مع أمي وجدتي، كما أرى وأسمع غيرهم من الأطياف والجان، لم أكن أدري.
أراك تسأل عن ملامحي الآن، أنا الآن في السادسة من عمري ورثت صفات عثمان وخوشيار الشكلية من حيث جمال البشرة وبياضها وكذا العضلات المفتولة والعيون الزرقاء أما لون شعري فكان أسود فاحم اللون، كنت كما أسمع الجميع يقول عني وسيما بحق، وورثت جمال الروح وصفائها من والداي وخالي وليلى.
كنت محبوبا في المدرسة، الجميع يشيد بذكائي وفطنتي وسرعة بديهتي، وكذا حكمتي رغم صغر سني. أراد إبراهيم أن يتأكد من ذلك بنفسه عندما كنت في الثامنة من عمري؛ فعرض عليّ مشكلة حسابية في الأرض، عرفت المشكلة بمجرد أن حكى لي إبراهيم موجزا عنها، قبل حتى أن أنظر للأوراق. واستغرب إبراهيم أنه لم يتمكن بنفسه من كشف المشكلة، فردت عليه قبل أن يكمل تفكيره، "لك الحق أن تستغرب ما حدث فأنا أيضا استغربه، لا أعلم يا خال أشعر وكأن أحدا يتكلم ويحكي لي المشكلة حتى قبل أن تقولها".
استغرب إبراهيم من ذلك وقرر أن يسأل شيخا عن حالتي، فذهب لأحد الشيوخ إلا أنه لم يسأل عنه جيدا، فقد كان يعمل في السحر الأسود في الخفاء ولم يعلم عنه ذلك أحدا. طلب ذلك الشيخ المشعوذ أن يلتقي بي فإن كنت كما يقول إبراهيم فأنا كنز لا ينبغي التفريط به، وإن لم أكن لم يخسر شيئا. لكن احتمالا لم يفكر فيه الشيخ، وهو أن أرفض معاونته، ماذا لو عرفت سره وفضحته، وهذا هو الشيء الوحيد الذي نسيه الشيخ المشعوذ.
أتى الشيخ المشعوذ للقصر ليلتقي بي، وبالفعل نزلت له لألتقيه في حضور إبراهيم، قبل أن ينطق الشيخ بحرف واحد طلبت أن أنفرد بإبراهيم لمحادثته وقلت له "يا خال هذا الرجل يعمل في السحر الأسود، وهو منهي عنه في القرآن، كيف تأمنه أن يدخل الدار؟"، لم يصدق إبراهيم حرفا مما قلته للتو وذهب لغرفة الضيوف للشيخ المشعوذ فوجده يتكلم مع آخرين لم يراهم وسمع وفهم من كلام الشيخ المشعوذ أنه عرف ما قلته لإبراهيم منفردا به للتو.



السبت، 14 نوفمبر 2015

إسماعيل- الفصل الرابع (أطياف من الماضي)


قبل وصول خبر وفاة عثمان لبيته، ظهرت ليلى في أحلام خوشيار ونيغار مع عثمان ليعلما منهما خبر الوفاة، وليطمئن فؤاد والدته عليه، كان ذلك العشية السابقة لوصول نبأ الوفاة. بعد أن كانت خوشيار تشعر بالقلق على ولدها لا تعلم لماذا شعرت بالاطمئنان عندما وجدت معه ليلى؟ هل ذلك لعلمها بحب ليلى له؟ هل هي بالفعل تشعر أن عثمان توفى وأنها مطمئنة لأن ليلى معه ولا تفارقه؟ شعرت خوشيار بالحيرة الشديدة والحزن لفقدان ولدها، ولكنها اطمأنت عليه، إنها تعرف الآن أنه في الحياة الأخرى ينعم بها، وإن كانت تشعر بغصة من فراقه ووفاته، ولا تعلم سر اليقين الذي تشعر به أنه توفى بالفعل وأنه بخير ما دام مع ليلى؟!
بالنسبة لنيغار لم تعتقد كثيرا في الحلم الذي شاهدته هي ووالدتها في نفس الوقت؛ فهي لم تكن تعلم أنهما شاهدتاه معا في نفس الوقت. أما شمس فقد ظهرت لها ليلى كما هي عادتها وقالت لها مباشرة أن هناك رسول سيأتي بالغد ليخبرهم بخبر سيء عن عثمان، توقعت شمس الخبر، وقالت مباشرة "هل توفى عثمان؟" أجابتها ليلى "نعم، لقد توفى عثمان منذ شهور وتحديدا عندما ظهرت لها أول مرة لتخبرها بنبأ حملها"، وهنا فهمت شمس لماذا لن يكون لها طفل آخر. طلبت شمس أن ترى عثمان وتتحدث إليه، ولكن ليلى أخبرتها أنها لابد أن تحتشم في وجوده لأنها الآن ليست زوجته، لم تستوعب شمس كثيرا ما قالته ليلى، ولكنها الآن تعلم أنها سترى هي وولدها عثمان وليلى دائما وأبدا، وعليها أن تحضر إجابة للصغير عندما يكبر ليعرف من هم.
عندما وصل الرسول للمنزل لينقل لهن لهم خبر وفاة عثمان كانت خوشيار وشمس في أتم الاستعداد لتقبل ذلك الخبر، بل قد فكرتا في التدابير التي لابد من اتخاذها حتى ينتهي العزاء. فكرت خوشيار في ذلك الوقت في التجارة المناسبة التي يمكنها القيام بها، ومن يمكنه أن يديرها ويساعدها؛ فلم تجد خيرا من إبراهيم للقيام بتلك المهمة. لم تحتج خوشيار لإعلام إبراهيم خبر وفاة عثمان؛ لقد علم بالفعل من عمله أن عثمان توفى هو والضباط الذين سافروا معه بعد غرق السفينة التي كانوا على متنها.
وصل جثمان عثمان للمحروسة، وتم الدفن وتلقي العزاء. بعد مرور الأربعين على وفاة عثمان –الذي لم يكمل عامين في المحروسة –قررت خوشيار أن تبدأ العمل على بدء تجارة تدر لهما دخلا وتكون عونا لشمس وولدها على الحياة، كما قررت أن إسماعيل لن يدخل الجيش سيكون تاجرا ولكن عليه أولا أن يتعلم في الأزهر الشريف ويحفظ القرآن كما كان والده. تحركت خوشيار على الفور وتكلمت بعد الأربعين مع إبراهيم أن يترك الخدمة في الجيش ويبدأ مراعاة شئون تجارة العائلة، ووجد إبراهيم أنه من الأفضل أن يتزوج من نيغار ليكون تواجده معهن بلا حرج، ومستمرا.
وافقت خوشيار على زواج نيغار من إبراهيم، وكان الزواج بعد مرور السنة على وفاة ولدها، وحتى تكون درست أخلاق إبراهيم جيدا في إدارة التجارة، بدأت تجارتهم كما اقترح إبراهيم في البن، وأن يشتروا أحد الأراضي لزراعتها بمحصول البن للتجارة فيه. وبالفعل بحث عن الأرض المناسبة واشتراها وبنى بها استراحة للمبيت بها ومباشرة العمل منها، وكانت في جنوب المحروسة.
وزفت نيغار على إبراهيم، وأكمل أبراهيم إدارة شئون التجارة ومراعاة المنزل؛ حيث أصبح فردا فيه. أخو شمس وزوج نيغار، وبالتالي أصبح تواجده مرغوبا، شارك هو الآخر بأمواله في التجارة ووافقت خوشيار على ذلك، وكبرت التجارة وزاد خيرها وفاض.
رزق إبراهيم بابنته خديجة بعد مرور عام على زواجه من نيغار، في تلك الفترة وحتى بدء دراستي في الأزهر، استقدم لي إبراهيم معلمين لأتعلم العربية والفرنسية والإنجليزية والقرآن الكريم والموسيقى والشعر. عندما أتممت عامي السادس كنت قد حفظت القرآن كاملا، واقتربت من حفظ الأحاديث الشريفة كاملة.



الأربعاء، 11 نوفمبر 2015

إسماعيل- الفصل الثالث (أطياف من الماضي)


كانت اللقاءات بين ليلى وشمس كثيرة أثناء فترة حملها، لم تغفل شمس أن تسأل ليلى عن البسمة التي لا تفارق ثغرها وعن مدى غيرتها من ضرتها
شمس: اعتدت على ظهروك الآن، رغم شعوري ببعض الخوف، مع الخوف من شعور مراقبة دوما إنه بئس الشعور
ليلى: أعرف، ولذلك لم أكن أنتظر معك لفترات طويلة حتى تعتادي على ظهوري ولا يسبب لك الخوف
شمس: أصدقك القول لم أعرف حتى الآن كيف كنت أنت تحديدا من يبشرني بحملي بل وتشعرين بالفرحة لأجله، وتوصيني أن أحافظ عليه، ألا تشعرين بالغيرة؟
ليلى: ولماذا أغار منك الآن وقد غادرت دنيا البشر؟ لقد كنت أغار منك قبل وفاتي، أما الآن فأنا روح وطيف لست بشرا ولا أشعر بمشاعر البشر من غيرة وكره وحقد، كل ما أشعر به هو الحب والخوف على من أحب، ولقد علمت يقينا أن الدنيا ليست باقية لأحد من العالمين
شمس: ولماذا ظهرتي؟
ليلى: لأنك في حاجة لمن يهتم لأمرك ويكون بجانبك دوما؛ نيغار وخوشيار ليسوا متفرغين لكِ ولرعاية شئونك طوال الوقت وأنتِ تحتاجين من يكون دوما بجانبك لذا أنا هنا بجانبك
شمس (باستغراب): لماذا؟
ليلى: أرجو أن تعتادي أن الأسئلة ليست دوما لها إجابات وأن الإجابات أحيانا تأتي متأخرة
شمس: كنت أريد أن أسألك على شيء قبل وفاتك، فهل يمكن أن أسأله الآن؟
ليلى: بالتأكيد، تفضلي
شمس: عندما أتيتي مع خوشيار هانم لخطبتي لعثمان كنت استغرب قوتك وجلدك وصمودك، كأنك تفعلين شيئا معتادا لا شيء فيه ولا ألم تشعرين به، كيف؟
ليلى: كي أصدقك قولا، عندما صارحني عثمان برغبته في الزواج لكي يحظى بالذرية استغربت طلبه كثيرا وشعرت بالغيرة. ولكن عندما طلبك أنتِ تحديدا فهمت أنه يحبك وهو سر تغيره وشروده في الفترة السابقة على طلبه الزواج.  المرأة تستطيع أن تشعر بتغير زوجها، خاصة إذا أحب أخرى وهو كان يحبك. شعرت بغيرة شديدة ورغبة قوية في رؤية من سرقت مني قلب حبيبي وزوجي وأنسته سنوات الحب والعِشرة. ولكني شعرت ناحيتك بشعور غريب عندما رأيتك، لقد كان من المفترض أن أكرهك ولكني أحببتك كأنك ابنتي التي لم أنجبها. ويوم الزفاف لم أستطع أن أتخيل زوجي وحبيبي في أحضان امرأة غيري. يمكن للمرأة أن تشعر أن زوجها يفكر بالزواج من أخرى وتغفر له ذلك ولكنها لا تغفر له أبدا مصارحتها بذلك، يوم الزواج ظللت أبكي حتى وجدتني طيف يتحرك ويصول ويجول عبر الأماكن والأزمنة. عرفت أنك لم تسرقيه مني وأنه أحبك من نظرة عابرة شاهدك فيها ولم يستطع أن ينساها، كما عرفت كم أحبني، وكم تقبلتِ حزنه وأطمأن قلبي وهو معك لأنك تحبينه.
شمس: أتحبيه لتلك الدرجة ؟!!!!!
ليلى: لقد تزوجت عثمان وعمري لم يتجاوز السادسة عشر وعشت معه ما يزيد على العشر سنوات، كان كل ما لي في هذه الحياة الدنيا. كان الحب والأمان والحنان، كان الأب والأخ والزوج والحبيب، لم يكن سبب لحزني طوال سنوات زواجنا. كان كثير السفر والترحال وكنت أحفظه في ماله وبيته وعرضه وأراعي أمه وأخته في غيابه أكثر من وجوده، كان يقدر ذلك ويحترمه كثيرا، خفت أن أفقده بعد زواجه من أخرى، وهذا الحب هو سبب ظهوري لك الآن لكي أرعاك أنت وحملك.
شمس: لقد قلت لي أنك ستظهرين لي ولذريتي من بعدي، كما قلت إنني لن أنجب سوى إسماعيل فهل يمكن أن أعرف سبب ذلك؟
ليلى: لا شيء أسرع من مرور الزمن، كل شيء ستعرفينه في آذانه، ولكن لابد أن تعرفي أني أحببتك بالفعل ولا أحمل لك أية ضغينة. هل تحتاجين لأي شيء؟
شمس: أشكرك. لقد اعتدت وجودك معي وعلى قلقك عليّ، أشعر أن والدتي مازالت معي ولم تتوفى وتتركني وحيدة.
ليلى: يمكنك أن تعتبرينني أمك يا شمس وأفهمي ولدك أنني جدته
واختفت ليلى من الغرفة تماما، مازالت شمس غير مصدقة لما يحدث، لا تصدق أنها بالفعل تحب زوجة أخرى لزوجها تنازعها حبه، تحب من شاركتها قلب زوجها حية وميتة، من شعرت من قبل أنها سرقت منها زوجها بوفاتها. الآن تحبها! عجبا لهذه الحياة وهذه الأقدار التي تسوقنا نحو كل ما نعتقد أنه مستحيل أن يحدث!
فهمت شمس من كلام ليلى أن ليلى ستظهر لها في أوقات سفر عثمان لتكون مؤنثا لها في وحدتها، رغم حب خوشيار ونيغار لها إلا أن كلاهما منشغلة دائما. نيغار منشغلة بالموسيقى وتلقي العلم، وخوشيار منشغلة بابنتها ومتابعة أخبار عثمان –حيث لم يكن خبر وفاة عثمان قد وصل بعد ومازالت جدتي تشعر بقلق شديد عليه وتصحو من نومها تهتف باسمه، أصبح صوت خوشيار يهز المنزل ويخلخل صمت الليل باسم عثمان أمرا معتادا حتى وصل خبر الوفاة.
مازالت شمس تذكر موعد ولادتها، عندما بدأت آلام المخاض، لم تعلم سر ذلك الألم الشديد الذي بدأ يداعبها في بداية الليل، فجأة وجدت ليلى أمامها تسألها عما تشعر به وظلت جوارها حتى بدأت الآلام تشتد عليها وطلبت منها ليلى أن تصرخ بكل ما أوتيت من قوة ليعلم الجميع أنها تلد، رأت شمس طيف ليلى يخرج من غرفتها ليطوف القصر، لا تعلم ماذا حدث ولكن يبدو أن ليلى ظهرت لهم جميعا في منامهم لتقول لهم إن شمس تلد الآن وأن يستيقظوا. وجدتهم شمس جميعا أمامها والكل يقول إنه حلم بليلى توقظه لأن شمس تلد الآن، لم يكن ذلك سبب لاستغراب شمس، ابتسمت رغم آلامها ولم يفهم الجميع السبب، لقد أوفت ليلى بوعدها في حمايتها وراعيتها ولكن الآن لابد لها أن تركز في المخاض وإنجاب ولدها الوحيد.
وبالفعل تمت الولادة، وخلال نوم جدتي وعمتي كانت ليلى ترعى أمي وتسهر عليها وتظل بجانبها، إذا احتاجت لأحد ظهرت له ليلى في منامه لتوقظه ليذهب لشمس. كان ذلك بمثابة علامة تعجب كبيرة لديهم لماذا ليلى تحديدا من تظهر لهم؟! ولماذا توقظهم كلما احتاجت شمس لشيء؟! بل السؤال الأهم كيف تعرف ليلى أن شمس تحتاج شيء ما في ذلك الوقت تحديدا وتطلبه منهم؟!

كان ذلك سببا في سؤال خوشيار لشمس عن ليلى وعن علاقتهما التي لا تجد لها تفسير، وكانت إجابة شمس أنها لم تكره ليلى قط، وأنها تحبها كأنها والدتها، حيث أن شمس لم ترى والدتها، لقد توفت عقب ولادتها لإصابتها بحمى النفاس، وشمس لا تزال طفلة رضيعة لا تدرك معنى فقد الأم، ولا تدري لماذا شعرت بليلى منذ رأتها أول يوم أنها بمثابة والدتها. كان رد شمس على خوشيار بمثابة علامة استفهام كبرى، تعلم خوشيار مدى الغيرة التي كانت تشعر هي بها بسبب جواري زوجها وغيرة الجواري منها، ولكن أن تحب زوجة ابنها زوجته الأخرى التي تشاطرها حبه وقلبه شيء غريب، ثم تتذكر ليلى وكيف كان الجميع يحبها، حتى أن عثمان تخلى عن الجواري لأجلها.

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

إسماعيل- الفصل الثاني (أطياف من الماضي)


كان قصر عثمان يتكون من طابق أرضي به أكثر من حجرة وصالة لاستقبال الضيوف، وحجرة للطعام وأخرى للبيانو، ودور علوي يحتوي على غرف النوم الخاصة بهم، وغرف أخرى زائدة مغلقة لحين الحاجة إليها، بالإضافة إلى حديقة شاسعة غناء بها من كل صنوف الورود والأزهار والأشجار، ومكان للجلوس وتناول الشاي كما تحتوي الحديقة على مبنى يضم المطبخ وغرف الخدم وغرفة الغسيل وكل ما يحتاج إليه القصر من خدمات. وكذا مبنى آخر يحتوي على غرف استقبال ونوم للضيوف.
عندما تزوج عثمان من شمس عاشت معهم في القصر فكانت لها غرفتها ولليلى غرفتها في ذات القصر وذات الطابق، والتي أغلقت بعد وفاة ليلى، وكانت خوشيار هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في القصر باعتبارها الأم.
وبعد وفاة ليلى سافر عثمان في مهمة كلفه بها الباب العالي، وفي أحد الأيام كانت شمس في غرفتها بعد انتهائها من صلاة العصر وكانت تقرأ ما تيسر لها من القرآن، ثم وجدت الشموع تهتز ما بين إنارة وخفوت وصوت ينادي عليها، ظنت في البداية أنها تهلوس بسبب الإرهاق الذي تشعر به منذ شهر تقريبا ولا تعرف له سببا. ثم سمعت نفس الصوت يناديها مرة أخرى، ما صدمها أن هذا الصوت يشبه صوت المرحومة ليلى، أصبح الصوت أكثر وضوحا ثم وجدت مصدر الصوت قرب المرآة. ذهبت قرب الصوت فوجدت ليلى أمامها في المرآة، ثم تجسدت أمامها في رداء أبيض ووجه مشرق ضاحك، بسملت شمس وحوقلت حتى كادت يغشى عليها وهنا تكلمت ليلى
ليلى: لا تخافي، لست هنا لآذيتك
شمس (وهي خائفة) لا تفعل شيء سوى الابتعاد عن ليلى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ليلى (وهي تضحك): اعتادي على ظهوري لك ولذريتك من بعدك حتى آخر فتاة من نسلك أنت وعثمان
شمس (وقد بدا الاستغراب على وجهها): لماذا؟
ليلى (بجدية): بدون أسئلة، اعتادي على وجودي، لقد جئت اليوم لأخبرك بأنك تحملين في أحشائك ولدك من عثمان، حافظي عليه لأنك لن تلدي غيره، مبارك عليكِ ولدك إسماعيل يا شمس
لم تصدق شمس ما سمعته للتو وما شاهدته، خرجت من غرفتها وذهبت لخوشيار ونيغار ليتحدثا لتخرج من حالة الذهول والخوف التي سيطرت عليها؛ إلا أنها وجدت خوشيار تسألها عن أخبار حملها وأجابتها شمس أنها لا تعلم، وكانت خوشيار قد طلبت القابلة تأتي لتكشف على زوجة ابنها لتعلم إن كانت حملت أم لا، وكانت صدمة شمس لقد قالت لهم القابلة أن شمس تحمل في أحشائها جنينا وأنها في شهرها الثالث.
فرحت خوشيار كثيرا بهذا الخبر، ولكن ذلك الخبر ألقى الرعب في قلب شمس، معنى ذلك أن كلام ليلى كان حقيقي وأنها لم تكن تهذي، وأنها ستنجب ولدا وسيكون اسمه إسماعيل لماذا إسماعيل؟ لم تعرف، ولكنها تذكرت أيضا أن ليلى أخبرتها أن تتعود على ظهورها لها ولوليدها حتى آخر فتاة من نسلها، كل ذلك ألقى في قلبها الرعب والخوف الشديد.
مرت الشهور وجاء موعد ولادة شمس، وبالفعل كان المولود ذكرا، كان من المفترض أن يسميه والده ولكن والده لم يعد بعد من المهمة المكلف بها، ولا يعرف أحدا شيء عنه منذ أكثر من شهرين حيث كان من المقرر أن يصل، ولا يعرف أحد متى سيعود.
كانت التسمية من نصيب خوشيار، التي أسمته إسماعيل قالت لهم بعد ذلك أنها سمعت من يردد الاسم في رأسها فلم تعِ شيء حتى أطلقت على الصبي اسم إسماعيل.
اعتادت شمس ظهور ليلى لها –وذلك بعد أن ظهرت لها أول مرة –ولكنها لم تكن تعرف سبب ظهور ليلى لها. لقد توفى عثمان في مهمته التي أرسل إليها من قبل الباب العالي، ولم يصل خبر الوفاة لأهله. بعد وفاته كان طيفه يهيم في الأفق حيث وجدته ليلى كأنها كانت تبحث عنه، وجد حبيبة عمره ورفيقة دربه معه، تأخذ بيده في ظلام البرزخ، كان قلقا على زوجته وأمه وأخته. طمأنته ليلى أنهن بخير ولا شيء سيء بهن، وأنها تطمئن عليهن جميعا كل يوم ولا تتركهن. بشرته بحمل زوجته، ولكنه بعد وفاته لم يكن يهتم كثيرا بأي شيء، كانت روحه مع ليلى، مع حب حياته وهو ما يهمه، ولكنه أراد أن يطمئن عليهن جميعا، كانت فرحته شديدة عندما وجد ليلى إلى جانبه، لم يقدر على أن يصدمهن بخبر وفاته، لذا طلب من ليلى الظهور لشمس وإعلامها بخبر الحمل واسم المولود الذي اختاره له، وبالفعل نفذت ليلى المطلوب دون جدال. كان عثمان لها وحدها، كان حبها لها وحدها دون منازع لذا فلتنفذ ما يقوله دون منازع.
استغربت هي في بادئ الأمر أنها تتجول في حياة الأحياء، وتتجول عبر الأزمنة، أزمنة قادمة وأخرى سحيقة، رأت أشياء كثيرة، وتعلمت أكثر، لم تعرف سبب ما يحدث لها، كل ما تعرفه أنها طيف له حرية الحركة والذهاب والإياب. عندما شاهدت غرق السفينة التي تحمل عثمان حاولت إنقاذه ولكنها لم تستطع أن تنقذه؛ فانتظرت لترى هل سيظهر طيفه، أم سيختفي كما اختفت بعض الأطياف الأخرى، عندما غرقت السفينة كانت هناك أطياف كثيرة تطوف بالمكان وتتجول عبر الأزمنة وأخرى اختفت تماما، ولكن عثمان ظهر طيفه فور وفاته، وأرادت ليلى أن تكون هي أول ما يجده عثمان لتكون هي مرشده.
جاء خبر وفاة عثمان بعد ولادة شمس بحوالي الشهر، ودفن الجثمان في المحروسة، وأصبح ظهور ليلى معتاد لشمس، ثم بعد ذلك لإسماعيل ولدها وأولاده جميعا من بعده حتى جاء دور آمال آخر نسل آل عثمان، كما ظهر لهم عثمان وظهرت أنا لهم بعد وفاتي، إلا أن شمس ظهرت للبعض وباقي العائلة لم يظهروا أبدا.
منذ وفاة عثمان أصرت خوشيار ألا يلتحق إسماعيل بالجيش وأن يتعلم في الأزهر الشريف وعندما ينهي تعليمه يقوم على التجارة التي بدأتها هي الآن، ويشرف عليها إبراهيم أخو شمس وزوج نيغار. لقد تزوج إبراهيم من نيغار بعد وفاة عثمان؛ حيث وجد أن دوره هو رعاية هذه الأسرة التي فقدت رجلها الوحيد.
كان إبراهيم خمري البشرة، شعره أسود فاحم وعيناه كأنها الليل البهيم، مفتول العضلات شهم وشجاع، كان يشعر بمسئوليته تجاه هذه الأسرة، أحب نيغار من كلام شمس عنها فطلب أن يتزوجها، ولأخلاقه التي يعلمها عنه الجميع وافقت عليه خوشيار، كانت تعلم حاجتها لوجود من هو بمثل أخلاقه في حياتهم، ولكنها طلبت من إبراهيم ترك الجيش والإشراف على تجارة العائلة، والمساعدة في تربية إسماعيل.

عندما وصلت لسن الثالثة التحقت بالكتاب، ثم بالأزهر الشريف في سن السادسة، وفي بداية التحاقي بالأزهر طلبت ليلى من شمس تمهيد ظهورها هي وعثمان لي بأسباب مقنعة، أما أنا فكنت أراهم قبل ذلك وأسمعهما يتحدثان مع والدتي؛ إلا أن والدتي لم تكن تعلم أني أستطيع أن أراهم وأن أستمع لما يقولون، حتى لو لم أكن معهم في نفس المكان وذلك منذ أن كنت في الثالثة من عمري. وطلبت ليلى من والدتي أن تخبرني ألا يعلم أي شخص عن ظهورهما لي، ولكن من العاقل الذي يطلب من طفل أن يحتفظ بسر ولا يفشيه؟! ولكني لم أفشِ السر، كما لم أخبر أحدا بما أستطيع أن أراه أو أسمعه.

الجمعة، 6 نوفمبر 2015

إسماعيل- الفصل الأول (أطياف من الماضي)

أ

عرفكم بنفسي أنا إسماعيل بن عثمان بن محمد، أنا جد آمال لأبيها. اسمحوا لي أن أعود بكم بالزمن عندما نزح والدي وأسرته للمحروسة؛ حيث نزحت عائلتي من الآستانة للمحروسة، وبدأت الحكاية.
جاء والدي عثمان بن محمد في جيش محمد علي الذي وصل لفتح مصر وتحريرها من المماليك، والذي تطلق عليه بعض كتب التاريخ في المناهج الدراسية المصرية الحديثة الاحتلال العثماني لمصر. لن أدخل بك لتفاصيل كثيرة نحن لسنا بصددها الآن، حيث أرى أن ذلك لم يكن احتلالا؛ لسبب بسيط أن مصر في الأساس كانت تابعة للخلافة الإسلامية والتي كانت في ذلك الوقت مقرها الآستانة.
جاء والدي مع جيش محمد علي عام 1805، كان شابا فتيا وكان قائمقام في الجيش العثماني في ذلك الوقت، وهي رتبة عالية جدا في الجيش العثماني آنذاك. كان يمتد نسبه للسلطان عثمان مؤسس الدولة العثمانية والذي جاء من نسله محمد الفاتح وغيره من السلاطين العظام.
ظل يتولى مهام منصبه في الجيش، وكان متزوج من ليلى هانم عندما جاء لمصر، وللأسف لم ينجبا خلال زواج دام أكثر من عشر سنوات، أحبها والدي بعد زواجه منها، كانت في عينيه ملاكا نزل للأرض ليحرسه ويسهر على راحته، ولكنها لم تكن تنجب وكان حلم الأبوة كثيرا ما يداعب خياله، يحلم أن يكون له طفل من صلبه، أن يكون له سندا، يحلم أن يجد من يشد أزره وقت كبره وعجزه، ولكنه لم يحظ بالذرية طوال فترة زواجه من ليلى.
عندما جاء لمصر جاءت معه ليلى زوجته، نيغار أخته، وخوشيار والدته. لم يكن له أخوة من الذكور، كانت أمه تحلم بالذرية والعائلة الكبير، التي حرمت منها لوفاة زوجها في أحد الحروب بين الدولة العثمانية والغرب في الفتوحات التي كانت تقوم بها الدولة العثمانية آنذاك.
قدر ما كانت خوشيار تحب ليلى وتقدرها، كانت تكره تعلق ولدها الشديد بها، وتكره عدم إنجابها منه. كثيرا ما طلبت من عثمان الزواج بأخرى أو أخريات حتى يحظى بالذرية والولد والسند، ولكنه كان يأبى أن يتزوج عليها، ويرفض طلب والدته، وعندما طلب منه الباب العالي أن يذهب إلى مصر ويكون ضمن جيش محمد علي ويكون عين السلطان على محمد علي لم يستطع الرفض، ولكن طلب أن يأخذ أسرته معه لمصر، وقد كان.
كانت النساء في الآستانة يرتدين ما يسمى "اليلك" وهو رداء يلبس فوق القميص مشقوق من الأمام حتى الذيل وهو مفتوح من الجانبين، والكمان ضيقان ينتهيان عند المعصمين، ويلف حول الخصر حزام من الحرير أو الكشمير وقد يكون من المعدن، ويلبس "اليلك" صيفا وشتاء فيصنع في الصيف من الحرير والأقمشة القطنية الرقيقة وفي الشتاء من الصوف أو الكشمير، وكانت ترتديه الأميرات ونساء القصر وعِلْية القوم في كل مكان، نزولا إلى جميع نساء الطبقة الوسطى، كما تلبس النساء القفطان فوق "اليلك" وتحت الجبة، ثم تلبس معه “الحبرة” وهي قطعة من القماش مربعة المساحة تقريبًا طول ضلعها حوالي مترين، وهي من الحرير الأسود في منتصفها شريط ضيق يثبت حول الرأس وتنسدل لتغطي الرأس والوجه وبقية الجسم من الخلف، وتمسك السيدة طرفي الحبرة من الداخل وتضمها بذراعيها لتلف جسدها كله فلا يظهر منها سوى وجهها الذي يغطيه البرقع، وهو الجزء الثالث المكمل لزي خروج المرأة في ذلك الوقت. وعندما جاءت جدتي للمحروسة مع جدي عثمان كانت ترتدي هذه الملابس العثمانية، التي شاعت فيما بعد واختفت أزياء العصر المملوكي.
كان عثمان أبيض البشرة، طويل، عريض المنكبين، مفتول العضلات، ذو شعر ذهبي ناعم يلمع تحت أشعة الشمس، عيونه لا تعرف إن كانت خضراء تميل للزرقة أم زرقاء تميل للخضرة. كان يأخذ جماله من والده رحمة الله عليه ووالدته، فالجذور التركية تجري في دمائه. كان للشجاعة مثال يحتذى، كان رجل كما يجب أن تكون الرجال، متدين لا ينافق ولا يرائي، لا يفعل إلا ما يعرف أنه لا يغضب المولى عز وجل هكذا رباه أبوه وعلمته والدته.
كانت خوشيار آية في الجمال، رغم أنها والدته إلا أن أحدا لم يكن يصدق أنها والدته من جمالها وبشرتها البضة التي لم يظهر عليها الشيب أبدا. كانت تشبه البدر في تمامه بيضاء شديدة البياض ذو خدود حمراء تزيدها بهاءً وروعة، طويلة الطول المحبوب في النساء، لا هي بالبدينة ولا هي بالرفيعة، كانت بين ذلك وذاك، ذات شعر أصفر بلون الذهب، شعرها طويل ناعم لم يرى شعرها سوى زوجها وابنها ونساء القصر؛ فهي كما النساء في ذلك الوقت لا تخرج بلا حجاب يغطي شعرها ووجها، لا يسمح للنساء بكشف الوجه أو الشعر أمام غير المحارم.
نيغار أخت والدي عثمان –وعمتي –ورثت جمال والدتها وتألقها، كانت تتعلم الموسيقى وعلوم الدين في المنزل، مثل كل بنات العائلات في ذلك الوقت، هن لا يذهبن لأي مكان حتى لو كان لتلقي العلم، العلم هو من يسعى إليهن ليأخذوه، كانت ذكية جدا، حفظت القرآن الكريم كاملا وهي لا تزال في سن الخامسة، كما حفظت الأحاديث النبوية كاملة ولكنها لم تتزوج حتى جاءت مع أخيها عثمان للمحروسة وهي تتجاوز الثامنة عشر من العمر، كانت نيغار تحب ليلى كثيرا وتحب حب عثمان لها.
كانت ليلى رائعة الجمال كانت من أب تركي وأم روسية، جاءت أمها مع السبايا في فتوحات الدولة العثمانية واعتنقت الإسلام، وأُهْدِيَتْ أمها لوالدها الذي أحبها وأعتقها وتزوجها وأنجب منها ليلى، كانت ليلى فينوس، رمز الجمال، بيضاء البشرة، متوسطة الطول، ممتلئة بطريقة محبوبة ولكنك لا تستطيع أن تقول إنها بدينة، شعرها أحمر يميل لونه للون البندق، جميلة هي، خفيفة الظل، تعرف التركية والعربية والروسية، تراها ملاكا في ملابسها ذات اللون الأبيض –اللون الذي تعشقه وتفضله.
أحبت ليلى عثمان عندما تزوجته، كان رجلا كما يجب أن يكون الرجال، أحبها من قلبه، كان يخاف عليها، يحافظ عليها، لم يجرحها يوما بكلمة، لم يشعرها يوما بعجزها عن الإنجاب. كان يعنف والدته كلما أشعرتها بعجزها.
جاءوا جميعا للمحروسة، أسس لهم بيتا في وسط المدينة، في حي شبرا بالقرب من قصر محمد علي باشا. كان قصرا فخما، أسسه أحد المهندسين الفرنسيين في ذلك الوقت، وكان الأثاث تركي في كل ركن وزاوية من المكان. كانت عائلة والدي من العائلات الثرية، وكيف لا تكون كذلك وهي عائلة تنتمي للأسرة الحاكمة! كان الأثاث وكل ما في القصر يذكرهم بالآستانة، ويأخذهم الحنين للذهاب هناك، ولكن لمن يذهبون، لقد رحل عنهم الأحباء ولم يتبق سواهم، لذا كان قرارهم بالاستقرار مع عثمان في المحروسة.
كان عثمان شديد الحب لليلى، ولكن كان شوقه وطوقه للأطفال يزداد يوما بعد يوم؛ فكانت كثيرا ما تطلب منه أن يتزوج بأخرى لكي ينجب الولد الذي يتمناه، وكان دائم الرفض للفكرة، ودائما ما يطالبها بعدم الحديث فيها مرة أخرى. كان ذلك قبل أن يرى شمس –والدتي –كانت شمس، اسما يليق بها لجمالها وبهائها، كانت أخت أحد الضباط معه في الجيش، ذهب معه مرة للبيت وشاهدها صدفة دون موعد، رآها لما يقل عن الثانية، وعندما غابت غاب معها عقله وقلبه، سلبتهما منه وتوارت.
كانت شمس أخت الضابط إبراهيم خليل، وهو ضابط مصري برتبة صاغ يخدم في المحروسة تحت إمرة عثمان في الجيش. جميلة شمس هي وبهية، لها ضحكة تسلب منك عقلك دون أن تشعر، بيضاء البشرة –وذلك غير معتاد في بنات المحروسة حيث أنهن للون الخمري أقرب –ذو عينان عسليتان، لم ير لون شعرها في ذلك الوقت، لقد كانت تناول أخيها الشاي ليقدمه للضيف من وراء الباب ولكنه لمحها وغض بصره حتى لا يضايق إبراهيم، ولكنه لم ينسى ذلك الوجه الصبوح أبدا.
عندما ألحت عليه ليلى –كما اعتادت كلما وجدته شاردا –أن يتزوج، صارحها بأنه بالفعل يفكر في الزواج، صدمها رده هذه المرة، لقد اعتادت منه رفضه للفكرة، ولكنه صرح لها أنه فكر في الأمر وأنه اختار من يتزوجها، كانت ليلى قوية أمامه لتلقي هذه الضربة الموجعة لها كثيرا، أن يتزوج الرجل أكثر من زوجة أمرا معتاد، وأن يكن له من الجواري ما يشاء أيضا أمرا معتاد، وكذا هي غيرة النساء على الرجل الذي تحبه أمرا معتاد.
لم تظهر ليلى أي شيء لزوجها تقبلت أمامه الأمر بصدر رحب، طلبت منه أن تعرف من هي العروس لتذهب مع أخته ووالدته لخطبتها، وبالفعل ذهبت وتم الزواج، ولكن ليلى لم تستطع أن تعيش لترى زوجها في أحضان أخرى، لقد دخلت فراشها في يوم زفافه ولم تستيقظ، وافتها المنية، استيقظ الجميع صباحا ليجدوها قد فارقت الحياة.
حزن والدي عليها كثيرا، وتكلم مع نيغار، كان يشعر بالذنب تجاهها كما كان يشعر بافتقادها، واسته نيغار في مصيبته وفقده حبيبته، وطلبت منه الاهتمام بزوجته –التي لا ذنب لها في وفاة ليلى –لها حقوق الزوجة التي لابد أن يفي بها مهما كان حاله، سافر بعد الأربعين في مهمة كلفه بها الباب العالي.

كانت شمس طيبة المعشر، تقبلت حزنه على زوجته الأخرى، وإن كانت شعرت بفرحة داخلية أضمرتها لأن لا زوجة أخرى ستأخذه منها، لم تظهر فرحتها وتقبلت حزنه وصمته، حتى جاء اليوم الذي ظهرت لها فيه ليلى وتحدثتا سويا وعلمت من ليلى أنها تحمل ولدها في أحشائها.

الخميس، 5 نوفمبر 2015

المقدمة (أطياف من الماضي)


وقفت آمال أمام المرآة ترتدي حجابها لتذهب إلى العمل، اليوم هو يوم مميز لها إنه آخر يوم لها في العمل، سيحتفل زملائها بها وبوصولها سن المعاش. وجدت نفسها متلبسة بتأمل قسمات وجهها في المرآة، أنه آخر يوم لها في العقد الخامس من عمرها، لم تتزوج آمال وتعمل في الشئون القانونية بأحد الوزارات الحكومية، بعد أن حصلت على ليسانس الحقوق.
وجدت بعض التجاعيد تقاوم لتظهر على وجهها الأبيض رغم محاولاتها الدائمة وأد هذه التجاعيد حتى لا تظهر؛ ودون أن تشعر خلعت الحجاب ونظرت لخصلات شعرها الذهبي وقد تسللت إليه بعض الخصل البيضاء، لم تعد تلك الشابة الصغيرة. ارتدت حجابها مرة أخرى وأعادت هندام ملابسها وأخذت حقيبة يدها وخرجت لصالة المنزل استعدادا لبدء الصراع اليومي مع المواصلات حتى تذهب للعمل.
تعيش آمال في منطقة تدعى الأباجية، تسكن في العمائر التي تقابل المقابر وخط قطار البضائع، كلما نظرت من شباك حجرتها وجدت قلعة محمد علي بعيدة على مرمى بصرها، ووجدت أمامها المقابر والقطار الذي لم يتأخر يوما على موعده، رغم قدمه وحاله التي يرثى لها.
تسكن آمال في شقتها بالدور الثاني في المساكن التي شيدتها الحكومة عقب ثورة 1952، فوق مقابر الجيش الإنجليزي، لتكون سكن محدودي الدخل والبسطاء، وهي شقق كانت للتمليك في ذلك الوقت، تتكون الشقة من حجرتان وصالة ومطبخ وحمام. مساحتها ليست بالكبيرة أو الصغيرة. لم تهتم يوما أن تسأل نفسها ذلك السؤال، هل الشقة كبيرة أم صغيرة؟ حيث كانت وحيدة أبويها، وبعد وفاتهما أصبحت تحيا وحدها في هذه الشقة دون منازع، لم تتزوج أو تنجب.
لم تفكر يوما هي أو والدتها في الاختلاط بالجيران، ولكنها أعزت ذلك لحالة الحزن التي كانت ترى والدها عليها منذ –ما يطلقون عليه –نكسة 1967. كانت في الثامنة من عمرها عندما حدثت نكسة يونيو، لم تفهم معنى كلمة نكسة، كل ما كانت تعلمه أن الجيش المصري العملاق كان سيضرب إسرائيل السيئة بالعصا ولكن إسرائيل لم تمكنهم من ضربها، لذا سيحاول الجيش مرة أخرى ضربها ليؤدبها. كان ذلك تبسيط معلمتها للطلبة لمعنى كلمة نكسة، رغم أنها كانت تسمع والدها يعنف أمها ويقول لها أن تفهمها الحقيقة ولا تضحك عليها. لم تفهم وقتها ماذا كان يقصد والدها، كيف تضحك عليها والدتها وكيف تكذب عليها المعلمة؟ بعقلها وقتئذٍ لم تفهم، إلا أنها فهمت بعد ذلك.
بعد النكسة وكلام والدها أن ما حدث هو هزيمة، وأن الجيش المصري هزم بسبب القيادة العسكرية، واهتمامها بالصراع على السلطة وسرقة تركة الملك –الذي لم يفهم توفيق حتى الآن لماذا ثار الجيش عليه؟ وهل أدت هذه الثورة لرجوع فلسطين أو تهديد اليهود ليعودوا أدراجهم؟ - وكذا سرقة أموال وتركات الأغنياء في ذلك الوقت. كما كان يرى أن هذه لم تكن ثورة ولكنها انقلاب عسكري حدث ليؤمن للإنجليز الخروج الآمن وتضمن خنوع الشعب، وهو ما حدث. بعد أن صار والدها يقول ذلك الكلام باستمرار وتعنفه أمها عليه، وجدت أنها هي ووالدتها في عزلة، لا تدري إن كان بسبب كلام والدها أم بسبب اختفائه المفاجئ بعد أن صار يقول كلامه ذاك بصوت عال في كل مكان، في عمله وفي منزله، حتى إن فتح باب المنزل لبائع اللبن، ثم اختفى الأب، وبعد اختفائه وجدت آمال بعض الأشخاص يفتشون منزلها، قالت أمها أنهم من الشرطة.
بعد تلك الحادثة، قالت لها والدتها أن والدها توفى، وارتديتا ملابس الحداد، بعد تلك الحادثة لم يأت لهما معزين، لم يعزهما أحد في وفاة عائل الأسرة، حتى الجيران لم يتكلم أي منهم معها أو مع والدتها دون أن تعلم لماذا حدث ذلك. بعد وفاة الأب كانت آمال في الصف الثالث الابتدائي، واضطرت والدتها للبحث عن عمل؛ فمعاش زوجها لم يكف مصاريف المنزل، وبالكاد عملت الأم ممرضة في مستشفى، وهكذا اعتادت آمال على أن تعيش وحدها وتنام وحدها في معظم الأيام لسهر الأم بالخارج للعمل.
أكملت آمال دراستها الابتدائية بتفوق، وتعلمت من والدتها عدم الحديث في أي من أمور الحرب أو السلم حتى لو كان ذلك لنفسها، تعلمت أنها إذا سألها أحدهم عن والدها أن تقول إنه توفى كما يتوفى الله عباده، نام في فراشه ولم يستيقظ. كانت تشعر آمال كثيرا –حتى وهي وحيدة –أنها مراقبة، وذلك الشعور كان يولد لديها خوف شديد، تشعر به وهي وحيدة تنتظر والدتها، وهي في طريقها للمدرسة، وحتى وهي في الفصل؛ لذا كانت تجتهد في حفظ القرآن الكريم، وأنهت حفظها وهي في السنة السادسة الابتدائية.
حدث نصر 1973 وهي في الصف الثاني الإعدادي، تذكرت والدها وكلامه، وكانت تحاول أن تفهمه فلم تستطع، لم تحاول أن تحدث أحد فيما تريد أن تفهمه، تعلم خوف والدتها من أي حديث يخص والدها –رحمه الله –رغم أن الجيران منذ تولي السادات رئاسة الجمهورية بعد وفاة عبد الناصر أصبحوا يلقوا إليهم التحية عند التلاقي أثناء الصعود والنزول، ولكن والدتها آثرت عدم التحدث مع أي شخص، خاصة ووالدتها تعلم جيدا ما يقال عنها من نساء الحي.
منذ وفاة زوجها وهجر الجميع لها، لم يعلم أحد أنها تعمل ممرضة، ولم يهتم أحدهم بسؤالها عن أحوالها وأحوال ابنتها، وهل يحتاجون لشيء أم لا، وعندما كانت تبيت في المستشفى –عندما يأتي عليها الدور –الجميع يتغامز ويتلامز؛ فهي فرصة ذهبية للغيبة والنميمة؛ أرملة وأم لبنت لم تتجاوز العاشرة من عمرها، وبالتالي هي فريسة سهلة بالنسبة للرجال، ورامية ماهرة لشباكها على الرجال بالنسبة للنساء. يتهيأ الرجال فرصة للانقضاض عليها، وتخاف النساء أن تسرق منهن أزواجهن.
لم تفهم آمال كل ذلك في وقتها، لم تعلم سبب الخوف الذي تبديه والدتها تجاه أي حدث أو كلمة، لم تفهم سبب بكائها الدائم الذي كانت تسمعه من غرفتها. ولكن رغم كل تلك الصعاب لم تكل عقيلة –والدة آمال –عن العمل الدؤوب حتى تتم ابنتها دراستها وتجد العمل المناسب، الجميع يعلم أن الشهادة يأتي بعدها تعيين الحكومة والوظيفة الثابتة، ثم الزواج بابن الحلال.
أصرت عقيلة لما تلاقيه من عملها من احتكاك بالواقع أن تعلم ابنتها دينها جيدا، لابد أن تحفظ ابنتها القرآن وتتعلم أحكام دينها كي تكون لها حصنا من الدنيا وغدرها. وبالفعل أتمت آمال حفظ القرآن الكريم وكرمت لأنها من حفظة القرآن الكريم ومن المتفوقين دراسيا.
وأكملت تعليمها ودخلت المرحلة الثانوية، وهناك لم تترك كتابا في مكتبة المدرسة إلا وقد قرأته، وأتمت تعليمها الثانوي ودخلت الجامعة، دخلت كلية الحقوق وتخرجت وحصلت على الليسانس، وعينت في الشئون القانونية بأحد الوزارات الحكومية، ثم توفت والدتها في نفس يوم تعيينها، وأكملت هي حياتها.
تذهب للعمل صباحا، بعد صراع دائم مع المواصلات، وتنهيه الساعة الثانية وتعود لذات الصراع مرة أخرى لتعود للمنزل. تذكرت صراعها اليومي مع المواصلات في الثمانينات الذي اختلف تماما عن صراعها اليومي معه الآن. محبوبة هي آمال في عملها، الكل يحبها ويحترمها، ترقت حتى وصلت لدرجة المدير العام بكدها وتعبها دون نفاق أو رياء، واليوم الاحتفال بوصولها سن المعاش.
أعود بك الآن لآمال بعد أن أنهت ارتداء ملابسها، ووجدت التجاعيد على وجهها، خرجت للصالة ألقت التحية على والدها ووالدتها وعلى إسماعيل.
أراك وقد بدأت تشك فيما قرأته منذ البداية، أنت قرأت أن والدها توفى وكذلك والدتها وأنها وحيدة والديها ولم تتزوج أو تنجب. كلا لم أجن كما تعتقد ولكن لا تستعجل الأحداث، التي لن أرويها أنا لك، بل سيروي لك الأحداث أبطال الرواية أنفسهم؛ آمال ووالدها توفيق ووالدتها عقيلة، وأيضا إسماعيل أعلم أنك تتساءل مرة أخرى من هو إسماعيل صدقني ستعرف عندما تقرأ الأحداث التالية، لن تنهي القصة حتى تعرف من هو إسماعيل وأية تساؤلات أخرى تطرأ عليك، ثم ستجدني في النهاية أجاوب عن الأسئلة التي لم يرد عليها أي منهم في روايته عن الأحداث كما عرفها وعاصرها.

الأحد، 1 نوفمبر 2015

مقتطفات من الرواية الجديدة أطياف من الماضي



وبعد وفاة ليلى سافر عثمان في مهمة كلفه بها الباب العالي، وفي أحد الأيام كانت شمس في غرفتها بعد انتهائها من صلاة العصر وكانت تقرأ ما تيسر لها من القرآن، ثم وجدت الشموع تهتز ما بين إنارة وخفوت وصوت ينادي عليها، ظنت في البداية أنها تهلوس بسبب الإرهاق الذي تشعر به منذ شهر تقريبا ولا تعرف له سببا. ثم سمعت نفس الصوت يناديها مرة أخرى، ما صدمها أن هذا الصوت يشبه صوت المرحومة ليلى، أصبح الصوت أكثر وضوحا ثم وجدت مصدر الصوت قرب المرآة. ذهبت قرب الصوت فوجدت ليلى أمامها في المرآة، ثم تجسدت أمامها في رداء أبيض ووجه مشرق ضاحك، بسملت شمس وحوقلت حتى كادت يغشى عليها وهنا تكلمت ليلى

الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...