الثلاثاء، 16 فبراير 2021

الفصل العشرون

 

عندما تركت زينات فارسًا وهي ثائرة كان فارس هو الآخر يشعر بالضيق والغضب، ضيقه مما فعلته زينات من نشرها خبر مرض ولاء وتركها له في الكوفي شوب، وغضبه من الأفكار التي توالت على رأسه، ودون أن يشعر قارن بين تصرفات ولاء وزينات، وكانت نتيجة المقارنة لصالح ولاء التي لم تحرجه يومًا أو يعلو صوتها عليه.

بعدما طلب فارس يد زينات للزواج علم جميع العاملين بالمصلحة أنه خطب زينات، كان ذلك مفاجأة له، كأنه لم يتوقع أن يعرف زملاؤه خبر خطبته لزينات، ولكنه لم يفكر في ذلك قط، وكأنه قد نسى وجود ولاء معه في العمل وحبه لها، لم يعرف كيف سيتصرف مع ولاء ولكن رغبته في الاستقرار مع زوجة جعلته يستمر في خطته للزواج من زينات، وفي النهاية سيعلم الجميع بزواجه فلن يكون سرًا.

ظل في الكوفي شوب وطلب فنجانًا من القهوة ليراجع ما مر به خلال الفترة السابقة، وفي خضم ذلك تذكر أنه حتى الآن لم يبحث عن أوراق ولاء أو يفتش في حاسوبها عن أية ملفات مخبأة ليساعدها على التعافي، وكأنه قد نسى وجودها في حياته، قرر أن يبحث عن المعلومات التي طلبها الطبيب منه وأن يبحث عن المدارس التي درست بها ولاء ودار الأيتام التي تربت بها.

وجد فارس نفسه غير قادر على التفكير لذا طلب أخته هويدا ليتحدث معها.

فارس: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ازيك يا هويدا عاملة إيه؟

هويدا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله يا خويا في نعمة من ربنا.

فارس: إنتِ فاضية آجي أتكلم معاكِ شوية ولا وراكِ حاجة؟

هويدا: لا يا حبيبي أنا فاضية مستنياك تشرفني في أي وقت.

فارس: خلاص أنا جايلك دلوقتي مسافة السكة.

هويدا: في انتظارك، ما تتأخرش.

فارس: حاضر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هويدا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ذهب فارس لأخته ليتكلم معها ويفكر بصوتٍ عالٍ، لقد ارتبك ولم يعد قادرًا على التفكير، يعلم أن هويدا ستقف مع الحق أينما كان لذا أراد أن يفضفض معها ويطلعها على ما يعتمل في صدره.

في شقة هويدا..

هويدا: ازيك يا فارس، مالك يا حبيبي؟

فارس: تعبان ومخنوق قوي محتاج أتكلم مع حد هو وليد جاي إمتى؟

هويدا: وليد في الشغل وهيتأخر النهاردة.

فارس: والبنات فين أُمَّال؟

هويدا: جم من المدرسة اتغدوا و هيناموا ساعة كده وبعدين يصحوا عشان المذاكرة.

فارس: ربنا يوفقهم ويوفقك معاهم.

هويدا: آمين يا رب، مالك يا حبيبي فيك إيه؟

فارس: زينات يا هويدا.

هويدا: مالها خير؟

فارس: تخيلي نشرت في الشغل كله إن ولاء في مستشفى للمجانين، واضطريت إن الناس تعرف إنها بتتعالج في مستشفى للأمراض النفسية ولفيت أجيب تقارير طبية تثبت أهليتها وقدرتها على العمل.

هويدا: يا ساتر يا رب، طيب هي عملت كده ليه، دي يبان عليها طيبة، خصوصًا لما وافقت إنها تعيش مع ولاء في نفس الشقة، رغم إني نبهتك إن ولاء موافقتش على كده وإنك سلبت منها حقها في الموافقة اللي اديته لزينات، إنت عارف إننا واقفنا على زواجك لأنه حقك خصوصًا إن ولاء مرضها هيطول وبقالها دلوقتي فوق الشهرين في المصحة بدون أي تحسن، بس برضه مش معناه إنك تجبرها تعيش مع ضرة في الشقة.

فارس: غصب عني مش قادر أبعد عن ولاء لحظة بس برضه تعبت من الوحدة وأديكي شوفتي أمك عملت إيه، مفيش حد ما عرفش إن ولاء مجنونة، غُلبت أقولهم ولاء مريضة نفسية مش عقلية بس للأسف ده اللي حصل، وأمك ما صدقت إني هتجوز وفرحت إن ضرة ولاء معاها في الشقة، أنا تعبت يا هويدا.

هويدا: بص يا فارس حق ربنا إن تفصلهم كل واحدة في شقتها، ولو ولاء بعد ما تخرج محتاجة تواجد مستمر منك تستأذن زينات أو تجيب ممرضة لولاء في وقت وجودك مع زينات.

فارس: انا أصلًا بفكر أسيب زينات، دي محفظتش سري اطمنلها ازاي مش عارف؟

هويدا: دي حاجة إنت وحدك اللي تقدر تقرر فيها يا فارس، استخير ربنا كده وشوف هيحصل إيه، إنت آخر مرة روحت للدكتور اللي بيعالج ولاء إمتى؟

فارس: من أكتر من شهر تقريبًا، تصدقي إني حتى نسيت اللي طلبه مني ونسيت اسأل على ولاء.

هويدا: فارس أنا مش عارفة سبب طلاقك لولاء، مش مقتنعة بإنك طلقتها عشان ماما لأنك عارف ماما بتعاملها ازاي، لكن اللي أقدر أقولهولك إنك طالما رجعتها يبقى ليها عندك حق ولازم تراعيها، دا حقها عليك.

فارس: مخنوق يا هويدا وتعبان قوي.

هويدا: فارس يا حبيبي طول عمرك راجل وتقف مع الغريب قبل القريب في شدته، ودي مراتك وملهاش حد غيرك إنت أهلها وكل ما ليها في الدنيا راجع نفسك وشوف احتياجات مراتك إيه؟ وبخصوص زينات استخير إذا كنت تكمل معاها ولا لأ.

فارس: طيب أسيبك بقى وأروح البيت استريح شوية.

هويدا: لأ استنى البنات تصحى ووليد يجي من شغله.

فارس: مش قادر يا هويدا سامحيني عايز اقعد مع نفسي شوية، كلامك فوقني ونبهني لحاجات مكنتش واخد بالي منها بس بالله عليكِ بلاش حد يعرف إني ممكن أسيب زينات.

هويدا: عيب عليك أنا من إمتى طلعت كلام حصل بينا، فوق كده لو عايز مني أي حاجة أنا معاك وفي ضهرك.

احتضن فارس أخته وودعها وكأنها قالت له ما يريد أن يُذكر به نفسه، خرج من بيتها وقادته قدماه إلى المكان الذي تحبه ولاء، الكورنيش ورؤية النيل والمشي هناك، مازال الصراع في نفس فارس فيما وجده في حساب ولاء على الفيس، قرر أن يفتش في حاسب ولاء، في الشقة؛ ليجد أي معلومات تساعده في شفاء ولاء.


الفصل التاسع عشر

 


مقهى على النيل..

زينات: ازيك يا فارس عامل ايه؟ خير، طلبت تقابلني؟

فارس: ليه عملتي كده يا زينات؟

زينات: طيب قولي ازيك الأول، عملت إيه؟

فارس: ليه فضحتي ولاء؟ ليه عملتي كدا؟

زينات: آه، إنت طلبتني عشان كده.

فارس: طبعًا، أنا اتفاجئت بإن كل الناس في الشغل عرفت إن ولاء في مستشفى للأمراض العقلية، إنتِ مش بس عرفتيهم هي فين إنتِ كمان شوهتي الحقيقة.

زينات: مش إنت اللي قلتلي إنها في مستشفى المجانين.

فارس بانفعال: أنا قلتلك مستشفى المجانين؟ يا شيخة حرام عليكِ.

زينات: أستاذ فارس صوتك عالي، إنت قلت إنها في المستشفى وإنك عايز تتجوزني لأنها مش هتخف يعني مجنونة، عمومًا انا آسفة عن إذنك.

تركت زينات فارسًا في حيرته، ولكنها ما إن ابتعدت عنه حتى بدأت الدموع تلمع في عينيها حاولت أن تتماسك حتى وصلت لبيتها ودخلت غرفتها وتركت لعينيها العنان لتفيض بالدموع التي حبستها منذ لقائها مع فارس، وبدأت تعيد حساباتها مرة أخرى في طلب فارس الارتباط بها، كان ذلك منذ حوالي شهرين عندما صارحها فارس بأنه يريد أن يتزوجها لمرض ولاء النفسي وعدم تعافيها.

زينات مطلقة شابة، محجبة، خمرية اللون متوسطة الطول، بدينة بعض الشيء، عندما تراها تجزم أنها مصرية، حصلت على بكالوريوس التجارة، وانتظرت فترة طويلة حتى قدمت على وظيفتها الحالية في الحسابات في المصلحة التي تعمل فيها حاليًا، كانت قد تزوجت قبل عملها مباشرةً من ابن عمتها زيجة استمرت تسعة أعوام أثمرت عن حنين  -التي تبلغ الآن ثلاث سنوات.

تبحث زينات عن زوج يقيها شر نظرات المجتمع لها على أنها غانية تبحث عن علاقة مع الرجال، طُلقت من حوالي عام، وبعد طلاقها وجدت معظم الرجال تنصب حولها الشباك لعلاقة بلا زواج، ومثل أي سيدة محترمة رفضت الدخول في هذه الشباك وظلت تبحث عمن يصلح زوجًا لها، وكان فارس هو فارس أحلام أي فتاة أو سيدة، عندما فتح فارس أمامها الطريق وأعطاها الأمل بالزواج منها، كانت تتمنى على الله أن تتم هذه الزيجة وكانت تحث فارسًا على المُضي قدمًا بالحديث عن سرعتها في الإنجاب وأنها تحب الأطفال وتريد إنجاب المزيد منهم.

كانت تجاري فارسًا في رغبته أن تظل ولاء زوجة له وأن تكون هي الزوجة الثانية، تظاهرت بالموافقة، خاصة أن فارسًا صارحها بأنها ستعيش مع ولاء في نفس الشقة، انتشر خبر خطبة فارس لها في المصلحة، وظلت تفكر كيف تجعل ولاء تطلب الطلاق من فارس وبعد مصارحة فارس لها بمرض ولاء وجدت الفرصة سانحة أمامها في نشر خبر مرض ولاء في المصلحة، حتى إذا عادت ولاء للعمل، تجد فضيحة تسبب فيها فارس فتطلب الطلاق وتُصر عليه.

لم تتخيل زينات نهائيًا أن فارسًا سيثور هذه الثورة عندما يعلم زملاؤه بمرض ولاء، ولكنها خافت من سحب فارس طلبه الزواج منها بعد ما فعلته، وكذا رفضه طلاق زوجته الأولى، لم تستطع زينات التفكير وشعرت بصداع رهيب نتيجة الأفكار والمخاوف التي سيطرت عليها، فقررت أن تُشغل القرآن لتهدأ ودخلت المطبخ لتُعد بعض الحلوى لشعورها برغبة شديدة في تناول الحلويات.

ترغب زينات في الزواج لتشعر بحريتها التي سُلبت منها فقط لكونها مطلقة، رغم احتفاظها بشقة الزوجية لكونها حاضنة، منعتها والدتها وأخواها من البقاء وحيدة مع ابنتها في شقتها حتى لا تكون فرصة لكلام الناس عنها بالسوء، فكانت تعيش مع والدتها فترة في شقة والدتها وفترة أخرى تأتي والدتها لتعيش معها في شقتها.

كان إحساسها بالظلم والقهر الواقع عليها بسبب واقع ليس لها فيه يد، أن تكون امرأة مطلقة في مجتمع لا يرحم من هي في ظروفها، لا صديقة تفتح لها المجال لزيارتها في المنزل خوفًا من أن تخطف زينات زوجها، ولا أحد يساعدها أن تتعايش مع واقعها الجديد الذي فُرض عليها.

لقد طلقها زوجها السابق لأنه تعرف على أخرى وأحبها، صارح زينات بأنه سيتزوج عليها وأنه يحب زميلته في العمل وسيتزوجها وافقت زينات أم أبت، رفضت أن تكون زوجة ثانية في حياة زوجها الذي تزوجها وفقًا للعادات والتقاليد، فهي ابنة عمه ولا يجوز أن تتزوج من خارج العائلة، أما زوجها فهو رجل ولا فارق أن يتزوج من خارج العائلة، لم تجد من يقف في صفها عندما طلبت الطلاق، الكل -حتى والدتها- لامها على طلب الطلاق فهي أول من يفعل ذلك في العائلة.

ولذلك كان فرض الحصار عليها وعلى تصرفاتها وخروجها ودخولها، ولكونها مطلقة لم تمانع والدتها أو يمانع أخواها في زواجها من خارج العائلة، كان الأهم هو أن تتزوج ليكون هناك آخر يراقبها وتكون مسئولة منه، حتى هي تفاجأت من تفكيرها وموافقتها أن تكون زوجة ثانية وتفعل في ولاء ما فعلته أخرى معها، بل وهي تفكر في تطليق الأخرى لتكون وحدها الزوجة الوحيدة في حياة فارس، إلا أنها أيقنت بعد ثورة فارس أنها لن تحظى به وحدها، بل ستكون الثانية دائمًا في حياته وستظل ولاء هي رقم واحد في حياة فارس، وخافت إن فسخت خطبتها من فارس من كلام الناس عليها ومما سيحدث من عائلتها، فاحتضنت وسادتها وظلت تبكي حالها وتلعن الظروف والعادات التي وضعتها في ذلك الموقف.


الفصل الثامن عشر

 

في العمل في المصلحة التي تعمل بها ولاء، بحثت إحدى زميلات فارس عن اسم المستشفى التي ترقد بها ولاء لتزورها مع بعض زميلاتها في العمل للاطمئنان عليها، حيث كانت تعتقد أنها حامل وفي حالة تستوجب مكوثها في المستشفى، إلا أنها فوجئت أن ولاء نزيلة في أحد مستشفيات العلاج النفسي والعصبي، وكان ذلك تأكيدا لما نشرته مدام زينات من شائعات حول مرض ولاء النفسي  -الذي تحول في الشائعة لمرض عقلي وجنون- في المصلحة، فتراجع الجميع عن زيارتها.

فوجىء فارس عندما ذهب لعمله ذلك اليوم بالجميع يتهامس عليه، وجاء بعضهم لمواساته في جنون زوجته، وطلبه رئيس شئون العاملين للتأكد من صحة ولاء العقلية وأهليتها للعمل، لم يتمالك فارس نفسه من صدمة انتشار الخبر في المصلحة، لم يعرف كيف يتصرف، دخل لرئيس شئون العاملين أوضح له أن مشكلة ولاء نفسية سببها موت وليدها وأنها كاملة الأهلية، إلا أن رئيس شئون العاملين طلب منه عرضها على كومسيون طبي لتأكيد أهليتها القانونية.

لم يكن فارس يتوقع أن يتنشر الخبر بهذه السرعة، ولم يعرف سبب انتشاره وتحوله من مرض نفسي واكتئاب إلى الجنون. علم أن سبب انتشار الخبر مدام زينات، هي زميلته في نفس الإدارة  -إدارة الحسابات- مطلقة في بداية العقد الثالث من عمرها لديها طفلة عمرها ثلاث سنوات، كانت تحاول نصب شباكها حول فارس بشتى السُبل لتتزوجه، وكانت تدخل له من مدخل الأطفال، في فترة مرض ولاء الأولى وبعد خروجها من المستشفى والجفاء الذي طال علاقتهما ورغبة فارس في الزواج من أخرى، كانت الطريق ممهدة أمام زينات لإحكام شباكها حوله.

ظنت زينات بقرب فارس منها أنها استطاعت أن تقنعه بزواجه منها حتى يمكنه الحصول على الولد، ولكن عندما ظن الجميع أن ولاء حامل أرادت هي أن تتأكد من ذلك بنفسها، خاصة أن حاسة الأنثى لديها أخبرتها أن فارس يبحث عن أنثى ولا شأن للأولاد في بحثه هذا، وكان الحزن المرسوم على ملامح فارس وطلبه الارتباط فرصة لها لا تعوض لتجعل فارس يفضي إليها بحقيقة مرض ولاء، وقع فارس في شباكها وأخبرها بكل شيء يخص مرض ولاء، كان ذلك فرصة لها  -كما اعتقدت- للقرب من فارس وجعله يطلق ولاء، نشرت خبر مرضها مع بعض الإضافات التي تجعل ولاء مريضة عقلية غير ذات أهلية تؤهلها للعمل.

اضطر فارس أن يخوض في الدوامة التي وجد نفسه وزوجته داخلها للحصول على ما يفيد أهليتها القانونية للعمل، وكذا ما يفيد إمكانية حصولها على إجازة لفترة طويلة مثل هذه قانونًا، ذهب فارس للطبيب المعالج لزوجته وحصل منه على تقرير طبي مبدئي ثم ذهب به لأحد المستشفيات الحكومية وأخبرهم بالمستشفى الذي تعالج به ولاء وأعطاهم التقرير الطبي المبدئي، وحجز موعدا لزيارة الكومسيون لولاء في المستشفى والاطلاع على ملفها الطبي هناك.

استغرق فارس قرابة الشهر في تلك الإجراءات، حتى انتهت وأصبح وضع ولاء قانونيًا في العمل،  ولكن كان يلوم نفسه عندما علم أن زينات هي من وشت بسر ولاء، تذكر فارس أنه كان يتقرب من زينات في الفترة السابقة وتقدم للزواج منها وأخبرها بمرض ولاء واستغفر الله على ما جال في فكره آنذاك، لقد تسبب في فضيحة لنفسه ولولاء في العمل ولا يعلم حتى الآن كيف سيواجه هو وولاء زملاءهم في العمل بعد عودة ولاء، وكيف سيواجه هو زينات بما فعلته، وكيف سيواجه نفسه بأنه هو من أعطى لها بريق الأمل في زواجه منها واتصل بزينات وطلب مقابلتها خارج العمل.


من التسجيلات في غرفة ولاء..

احمد حبيبي وحشتني...

أخبارك إيه يا قلبي؟؟

مين اللي بيونسك عندك؟؟

إنت كبرت يا حبيبي بقى عمرك سنة وشهرين.

بتاكل كويس؟؟

بابا كويس يا حبيبي، بس شكله نسيك خلاص ونسيني أنا كمان.

تعالى ف حضني يا حبيبي تعالى في حضن ماما.

& & &

إيمان إيه اللي جابك هنا عايزة إيه مني؟؟

أنا بعدت عنك بعد ما اختارتي سكة اللي يروح ما يرجعش.

إنتِ عارفة إني مش بحب داوود هو كان بيحبك وإنتِ اختارتي تكملي في الكوافير ده رغم سمعته ولغاية لما اتقبض عليكِ هناك متلبسة.

ابعدي عني وعن ابني.

أحمد ابعد عنها دي مش صاحبتي دي واحدة وحشة ابعد عنها.

& & &

فارس إنت نستني وبعتني، حاسة إنك تعرف واحدة غيري.

إنت اخترت تبعد عني وأنا مش همسك فيك، ابعد وشوف هتتجوز مين في الغالب هتتجوز إيمان

هي عايزة تنتقم مني من ساعة ما بعدت عنها أنا وداوود وحبت تنتقم مني بيك.

أنا مش عايزة حد منكم أنا رايحة لأحمد أقعد معاه.

إنت خنتني يا فارس وأنا عارفة ومش هقدر أغفرلك خيانتك ليا..

بتتكلم عن صفحة الفيس أيوه أنا اللي عملتها وسيبتها مفتوحة من غير كلمة سرعشان تشوفها وانتقم منك ومن خيانتك ليا.

كلكم وحوش عايزين تنهشوا لحمي، أنا مش رخيصة عشان الكل يفكر إني عشان اتربيت من غير أب وأم وأسرة هبقى سهلة.

ابعدوا عني ابعدوا عني

صرخات عالية..

& & &

ازيك يا أمي عاملة إيه؟، يااااااااااه إنتِ حلوة قوي يا ماما...

من زمان كان نفسي أقول يا ماما عايزة احضنك.

حاضر بحاول أموت عشان أجيلك يا ماما وأجي لأحمد ابني مش عارفة أعمل إيه؟

حاولت أقطع شريان إيدي لحقوني، حبيت أرفض الأكل والشرب ركبولي محاليل.

حاولت كمان إني ارمي الدوا وأحاول آخد حقنة فاضية لحقوني في آخر لحظة برده.

قوليلي أعمل إيه تاني.

بتزعقيلي تاني ليه مش عارفة آجي مش عارفة.


الفصل السادس عشر

 

منذ دخلت ولاء المستشفى في المرة الثانية وهي ترفض التعامل مع الأطباء، ترفض تناول الأدوية وتناول الطعام مما اضطر الأطباء لتركيب محاليل لها لتعويضها عن الطعام، وتم تركيب جهاز تسجيل في حجرتها لتسجيل ما تقوله، لقد سمعت إحدى الممرضات أن ولاء تتكلم وهي وحدها، فنقلت ذلك بدورها للأطباء في المستشفى وتم تركيب جهاز التسجيل ليستمعوا لما تقوله ولاء.

كانت حالة ولاء خطرة فعلًا، كانت تحاول الانتحار في كل لحظة، ومن أساليبها في ذلك ترك الطعام والشراب، حاولت فك المحاليل المركبة لها أكثر من مرة وقطع شريانها، مما اضطرهم في المستشفى لتكبيلها في السرير ووضعها في عنبر الحالات الحرجة الخطرة حتى لا تؤذي نفسها، أما ولاء كانت تكلم صغيرها وتحكي له عن هجر والده لها منذ وفاته.

أما والدة فارس فكانت سعيدة لأن ولدها طلق زوجته لكي يرضيها ولكنها في الوقت نفسه مستاءة أنه طلق زوجته وهي في المستشفى، لم تكن تعرف لماذا دخلت ولاء المستشفى لقد كذب عليها فارس وقال إن ولاء تعاني من ارتفاع في الضغط والسكر ومن الضروري بقاؤها في المستشفى حتى تتحسن، فخطر على بالها أن ما تمر به ولاء بسبب ما فعله فارس بها وأنه قد يكون ضربها عقابًا لها على ردها عليها، كم شعرت بالحزن وأنها السبب في طلاقها، وحزنت والدة فارس وهي تراه يذبل أمامها، فضلت أن تلومه على تطليق ولاء، خاصة وهي تشعر أنها السبب في دخول ولاء المستشفى.

لم تكن تعرف حتى تلك اللحظة أن ولاء في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية، لقد أخدت ملابس ولدها لتغسلها وكانت تفتش فيها قبل غسلها فوجدت إيصال المستشفى في أحد جيوبه وبه تاريخ دخول ولاء للمستشفى. شعرت بالغيط والحنق على ولدها الذي أخفى عنها أن زوجته مجنونة  -بالنسبة لوالدة فارس، مستشفى للأمراض النفسية يعني أن النزيل مجنون  -وفرحت أنه طلقها وتخلص منها ولكنها كانت تخشى أن تطالبه ولاء بالنفقة، فهي تعرف أن ولدها طلق زوجته غيابيا وأنها يحق لها النفقة والمؤخر، فمن أين سيحصل على المؤخر، وتذكرت أن ولاء تركت كل ذهبها في المنزل لذا قررت أن شبكة ولاء ستكون مؤخرها، وحمدت الله أنها تخلصت منها ولكنها لم تنس أن تخبر بناتها والجيران أن ولاء مجنونة.

لم يعرف فارس أن والدته عرفت أن ولاء في مستشفى للأمراض النفسية إلا عندما اتصل به مدحت زوج أخته الكبرى علياء ليتأكد مما سمعه من زوجته عن جنون ولاء، لم يتمالك فارس نفسه من هول الصدمة، لم يكن يتوقع أن يعرف أحد بمرض ولاء النفسي، لقد جرحه نعتها بالجنون، فرغم حنقه عليها وغضبه لتصرفاتها لايزال يحبها ويخاف عليها، رغم أنه طلقها فلن يرضى أن يهينها أحد، تعصب فارس كثيرًا.

فارس بعصبية: إنت ازاي بتقول على مراتي مجنونة، إنت اتجننت وألا إيه؟

مدحت: انا ما قلتش حاجة من عندي أختك هي اللي قالت لي بعد ما أمها قالت لها، وحمدت ربنا إنك طلقتها.

فارس: وإنتم مالكم بحياتي، وإنت أصلًا بتكلمني ليه؟؟!!، خلي تعليقاتك لنفسك واللي هسمعه بيجيب سيرة مراتي بسوء هو حر.

مدحت: تاني بتقول مراتي، إنت طلقتها خلاص، وسهل إنك تهرب من إنك تديها المؤخر والنفقة لما تثبت إنها مجنونة وتدخلها مستشفى المجانين وتخلص منها.

أغلق فارس الخط مع مدحت، وكاد يجن مما سمعه، لقد افتضح أمر مرض ولاء النفسي وحدث ما كان يخشاه، لقد أخبرت أمه الجميع أن ولاء مجنونة وأصبح عليه أن يدافع عنها، وتذكر أن ولاء لها في رقبته مؤخرها ونفقتها، لن يهرب مما عليه تجاهها حتى لو كان طلقها حفاظًا على كرامته، ولكن الآن عليه أن يعرف إلى أي مدى انتشر خبر مرض ولاء النفسي، وما لبث أن وصل لعمارته حتى وجد الجيران ينظرون إليه و(يتصعبون) على حاله ومنهم من جاء يطرق بابه ليواسيه على محنته.

لم يعرف فارس كيف يتصرف، كيف يفهم الجميع أن المرض النفسي يختلف عن المرض العقلي، كيف يفسر لهم أن ولاء مسئولة عن أفعالها وتصرفاتها، كيف يفسر للجميع الفرق بين المرض العقلي والنفسي ولكنه قرر أن يرد على الجميع برد واحد، وهو "ما شأنكم أنتم، إنها زوجتي أنا ولا شأن لكم بها"، إلا أن هذا الرد لم يقنع والدته عندما ذهب إليها ليلومها على فضح ستره.

والدة فارس ما إن رأته: بقى بتضحك على شيبتي يا فارس وتقولي ضغطها وسكرها عاليين، وتخليني أزعل عليها؟ اخس عليك.

فارس بعصبية حيث لم يعد يحتمل كلامًا في ذلك الموضوع: وهيفرق إيه معاكم هي فين، هي مراتي.

والدة فارس تقاطعه: انت طلقتها خلاص ومش حقها تاخد منك حاجة.

فارس بغيظ وعصبية: أنا ردتها لعصمتي خلاص ورجعت في طلاقي ليها، هي لسه في العدة وما اسمعش كلمة تجرحها او تسيء ليها من حد، خلاص..

والدة فارس وهي تبكي: بقى كده يا فارس يا ابن بطني بتعلي صوتك عليا عشان واحدة مجنونة وتربية شوارع كمان.

فارس بعصبية: حرااااااااااااااااااااام حراااااااااااااااااااااااااااام، ارحميني بقى، من ساعة ما اتجوزتها وإنتِ مش طايقاها وحطاها على راسك ومش طايقة لها كلمة ونازلة فيها تهزيء وبهدلة من ورايا بسمعك وبسكت عشان هي مش بتشتكي ومش عارف لو كانت اشتكت كنت عملت إيه، ارحميني بقى وارحميها إنتِ ما سبتيش بني آدم إلا وقولتيله إنها مجنونة!!

وتركها وخرج من منزلها وصفق الباب وراءه، لا يشعر بأي شيء ولا يعرف إلى أين تأخذه قدماه، وجد نفسه على الكورنيش في المكان الذي كان يجمعه مع ولاء في بداية زواجهما، كانت تحب المشي على الكورنيش والنظر للنيل.

أما والدة فارس فظلت تبكي غير مصدقة ما فعله وحيدها للتو بسبب زوجته تربية الشوارع المجنونة. اتصلت بابنتها الصغرى هويدا وحكت لها عن تصرف فارس معها، لامتها هويدا على تسرعها في فضح سر فارس ونعتها لولاء بالجنون وسوء التربية أمام فارس، فلقد كانت هويدا مثل فارس تتقي الله في تصرفاتها، وتعرف أن ولاء على خلق وأنها لا ذنب لها في وفاة والديها، فهي يتيمة فعلًا لوفاة والديها وليست ابنة سفاح كما بعض الأطفال في دور الأيتام، لم تتحمل والدة فارس لوم ابنتها لها فتعصبت وأغلقت الخط في وجهها، فاتصلت هويدا بأخيها تطمئن عليه وعلى حاله وحال ولاء، رد عليها فارس وكان ما يزال على الكورنيش يستعيد الذكريات التي تجمعه بولاء.

هويدا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فارس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، عاملة إيه يا هويدا؟

هويدا: أنا الحمد لله بخير وفي نعمة، اتصلت اطمن عليك، ماما كلمتني.

فارس: الله يكرمك يا هويدا مش عايز افتح في الكلام ده تاني.

هويدا: حبيبي أنا اتصلت عشان اطمن عليك إنتَ، لما عرفت من ماما إنك نزلت وإنتَ متنرفز وغضبان.

فارس: ربنا يخليكي يا أختي، أنا الحمد لله كويس بس محتاج أقعد مع نفسي شوية.

هويدا: طيب لو حبيت تتكلم في حاجة أنا موجودة وتحت أمرك.

فارس: ربنا يكرمك يا أختي، في حفظ الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هويدا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مشى فارس على الكورنيش يستعيد ذكرياته مع زوجته وحبيبة عمره، ويلوم نفسه على تسرعه في طلاقها، لذا قرر أن يذهب للمأذون ليردها رسميًا كما كان الطلاق رسميًا وفي رأسه كانت آلاف الأفكار والذكريات تتزاحم لتجعله غير قادر على التفكير.

الكورنيش قبل أربع سنوات..

ولاء: الله يا حبيبي أنا مبسوطة قوي إننا مع بعض وبنحتفل بأول سنة على جوازنا.

فارس: بجد فرحانة يا ولاء؟

ولاء وهي تتمسك بيده: طبعًا إنتَ مش عارف إنت عملت فيا إيه!!، إنتَ بقيت كل حاجة في حياتي إنتَ جوزي وأبويا وأخويا وصاحبي وعيلتي كلها إنتَ حياتي نفسها والنَّفسْ اللي بتنفسه.

التفت لها فارس ليرى عينيها وجعل النيل على يساره وولاء أمامه: مش عارف بجد أقولك حبك عمل فيا إيه لولا إننا في الشارع كنت حضنتك وما خلتكيش تخرجي من حضني أبدا.

ولاء: بجد يا فارس بتحبني زي ما بحبك، يعني موضوع الولاد ده مش هيأثر على حبك ليا.

فارس: ولاء إنتِ عشق عمري، إنتِ حياتي ودنيتي كلها، ما اقدرش أبعد عنك حتى مسافة طرفة عيني، باعشقك واعشق كل تفاصيلك.

نظرت إليه ولاء وبعينيها دموع الفرحة مما سمعت والخوف من المستقبل: بحبك يا فارس اوعى تبعد عني أبدا.

خرج فارس من شروده على صوت السيارات وآلات التنبيه، عبر الشارع وذهب لمكتب المأذون الشرعي ورد ولاء لعصمته مرة أخرى، وبدا مرحلة أخرى في حياته.


الاثنين، 15 فبراير 2021

الفصل الخامس عشر


 صعد فارس لعيادة الطبيب النفسي المعالج لولاء وطلب مقابلته، انتظر دوره في العيادة ودخل للطبيب، لم يكن في حالته الطبيعية كانت كرامته تثور عليه، يشعر أنه أُهدِرت كرامته على يد حبيبته وزوجته، كما يؤنب نفسه على اندفاعه في طلاقها، ذهب إلى الطبيب لكي يخرج من تلك الحالة وبعد أن علا صوته على والدته لأول مرة في حياته.

الطبيب: ازيك أستاذ فارس، خير؟

فارس وهو يكاد الصداع والألم يقصف رأسه: أنا تعبان جدا يا دكتور.

الطبيب: أستاذ فارس مالك، حاسس بإيه؟

فارس: صداع رهيب حاسس دماغي هتنفجر منه.

الطبيب: إيه اللي وصلك لكده؟

فارس: أنا اتخانقت مع والدتي بعد طلاق ولاء، لما عرفت إنها في المستشفى ونزلت وأنا مش شايف قدامي لقيتني هنا.

الطبيب: طيب حضرتك فكرت في الكلام اللي قلته لحضرتك ساعة لما طلقت مدام ولاء.

فارس: مش قادر افكر أو أبص في أي حاجة وفي نفس الوقت متأكد إن ولاء عندها أخلاق وتخاف ربنا ومتدينة لا يمكن تعمل حاجة تغضب ربنا، دماغي هتنفجر من التفكير تعبت..

الطبيب: حضرتك اتسرعت جدا في الطلاق..

فارس بانفعال: اتسرعت، بعد اللي شفته ده وابقى اتسرعت.

الطبيب: أنا مُقدر حالتك النفسية، لكن خلينا نحكم العقل شوية، زي ما حضرتك شايف في أوراق مدام ولاء هي عملت ده عشان حضرتك تشوفه وتوصل للنتيجة دي الطلاق، ثانيًا هي ما ردتش على أي واحد من الناس اللي دخلت على الصفحة وما عملتش أي إضافة لأي حد، كل اللي هي عملته إنها عملت الصفحة وحطت عليها الصور.

فارس: وبعدين؟

الطبيب: أستاذ فارس أرجع وأقول لحضرتك ولاء مريضة بالاكتئاب وأنا شاكك إن الاكتئاب الحاد اللي هي بتعاني منه عرض لمرض تاني لسه مش متأكد منه فعليًا، محتاج أعرف التاريخ المرضي ليها ولأسرتها ومحتاج أعرف حاجات كتير عشان كده طلبت من حضرتك نعرف المدارس اللي هي درست فيها وكمان دار الأيتام اللي اتربت فيها، ده غير الأوراق اللي هي مصرة تخبيها والماضي اللي لسه بيحاصرها لغاية النهاردة.

فارس بسخرية: يعني هي عملت كده وهي مش حاسة هي عملت إيه!!

الطبيب: لأ، هي عارفة هي عملت إيه، بس المشكلة هنا في المبرر، أنا عايز أقول لحضرتك كمان إن ولاء بتقعد تكلم ابنها وهي في أوضتها وبترد عليه وتقوله مش عارفة أجيلك، وبتتخانق مع حماتها ومعاك لأنك بتخونها.

فارس مندهشًا: أنا بخونها، ليه هو أنا اللي عملت الصفحة دي؟

الطبيب: الصفحة دي في الغالب هي رد فعل لشعورها إنك بتخونها، من فضلك حاول تفهمني ولاء كانت تقصد تخليك تشوف ده، محتاج حضرتك تشوف لو فيه أي ملفات مخفية أو أوراق تكون مدام ولاء مخباياها عننا.

فارس: انا مش فاهم حاجة!!

الطبيب: اقرأ كويس الأوراق بتاعتها وحاول توصل للمدرسة الابتدائية بتاعتها والدار اللي اتربت فيها عشان نقدر نفهم الحالة كويس ونعالجها، طبعًا ده لو حضرتك فعلًا عايز تساعد مدام ولاء وترجع حياتك الأسرية معاها.

فارس محتارًا وحزينًا: موضوع رد ولاء محتاج أفكر فيه، بس أوعدك هدور على المدرسة ودار الأيتام وأدور على الأوراق بتاعتها كلها وربنا ييسر إن شاء الله، أنا بحب ولاء ومش متخيل لغاية دلوقتي هي عملت كده ليه أو ازاي؟!!

خرج فارس من عيادة الطبيب أكثر حيرة مما كان، هل تكون فعلًا ولاء مريضة وتحتاج للعلاج وهو تسرع في تطليقها، كم يتمنى أن يكون ذلك حقيقيًا، وأن يكون تسرع فعلًا، ولكنه يخشى أن تكون ولاء فعلت ذلك عمدا وهي تعي ما تفعله، وأنها ليست بالبراءة التي يعتقدها، لقد امتلأ رأسه بالاحتمالات وعاد الصداع ليفتك برأسه من جديد، ولكنه قرر أن يبحث في كل مكان في المنزل وحتى على اللاب الخاص بولاء ليعرف المعلومات التي طلبها الطبيب المعالج لها.


الفصل الرابع عشر

 

من أوراق ولاء..

أحمد ابني وحشني قوي بقاله أسبوع مش عايز ييجي ويكلمني زي ما كان بييجي قبل كده، ابني وحشني جدا لا هو جه ولا أنا عارفة أروح له، مش عارفة أعمل إيه؟، يا رب صبرني على بعده عني وسامحني على اللي أنا فيه، أنا مش عارفة أسيطر على نفسي ولا على أفكاري، يا رب أنا تعبت قوي ومش عارفة استريح.

يا رب سامحني على تقصيري في حقك، يا رب قويني على اللي أنا فيه، بفكر في الموت ألف مرة وبرجع في آخر لحظة عنه خوف منك وخوف من عذابك، ابني وحشني قوي ولما بييجي على طول بيطلب مني أروح له، وأنا مش عارفة أروح له، عارفة إن الموت والحياة بإيدك يا رب مش بإيدينا احنا، سامحني يا رب وقويني.

من أوراق أخرى..

أنا لم أعد أحتمل ما يمر بي يوميًا، منذ خروجي من المستشفى أخاف من الخروج من المنزل ومواجهة الناس، ماذا سيقولون عني عندما يعرفون أنني كنت في مستشفى للأمراض العقلية، ماذا سيكون رد فعلهم، أخاف من الناس؟؟

عندما خرجت من المنزل لأذهب للعمل لاستكمال إجراءات إجازتي المرضية واعتمادها من الكومسيون الطبي شعرت بصداع رهيب لم يتركني للحظة، كاد رأسي ينفجر من شدة الألم، لم أعرف ماذا أفعل؟ كنت أشعر أن كل رجل ينظر إلي يفكر في كيفية التحرش بي أو الاعتداء عليَّ. أراهم كلهم على شاكلة أستاذ نبيل، لا أعرف ماذا ينوون لي، كل ما أراه أنهم يفكرون في كيفية افتراسي فأنا تربية ملاجىء أي أنني رخيصة والآن أنا مريضة عقلية فأنا مستباحة من الجميع، مستباح عرضي وشرفي.

أفكر في الانتقام من كل الرجال -حتى من فارس- هو من تسبب في دخولي المستشفى في المرة الأولى، لماذا تركني وحدي؟ لماذا لم يشعر أني أموت أمامه في اليوم ألف مرة؟ لماذا قرر هو الآخر الاستسلام لموت ولدنا؟ لماذا لم يقف بجانبي؟ لماذا تركني وحدي بعد خروجي من المستشفى؟ لماذا فضل جمع المال والعمل على وجوده بجانبي؟

أسئلة كثيرة تدور في رأسي تكاد تعصف بي، لقد زهد في ولم يعد يطيق وجودي بجانبه، لذا قررت أن أنتقم منه هو الآخر، أشعر أنه يعرف أخرى ويخرج معها ويقابلها ويتركني وحدي مع والدته، أه منها هي الأخرى، لم تحبني يوما، تتحين كل فرصة كي تهزأ بي وتعيرني بأني لا أهل لي وأني تربية ملاجىء، لابد أنها تعرف أن ابنها على علاقة بأخرى لذا أرادت أن تشمت بي.

لابد من الانتقام، ولكن لا أعرف ماذا أفعل، لن أخون فارسًا فلن أُغضب الله لكي أنتقم، ولكن سأفتح حسابًا على الفيس بوك بصور مزيفة ألتقطها من على مواقع الإنترنت المختلفة وأترك الحساب مفتوحًا حتى يراه فارس في أي وقت، سيكون هذا انتقامي منه، سأخفي عنه أوراقي وعن الطبيب المعالج، لقد توقفت عن تناول دوائي منذ ما يزيد على الأسبوع، وفارس لا يدري شيئًا عن ذلك، إنه لم يهتم حتى أن يتابع هل أتناول دوائي أم لا أتناوله، رأسي يؤلمني يكاد ينفجر، أتناول العديد من المسكنات ولا أشعر بأي تحسن، يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا رب".

من أوراق أخرى..

"عندما وصلت للمرحلة الإعدادية اختلف بنا الحال، ففي المرحلة الابتدائية كنا نجد الكثير من الزوار للدار يحضرون لنا الحلوى والأطعمة والملابس الجديدة، بعضهم كان يأتي بانتظام والبعض الآخر يأتي لنا في الجمعة الأولى من إبريل وفي الأعياد، أما في المرحلة الإعدادية والثانوية افتقدنا ذلك، كانت الزيارات تكاد تكون غير موجودة، نعاني نقصًا في الأطعمة والملابس كنا نشتهي قطعة من الشيكولاتة فلا نجد معنا ما يكفي لشرائها، كنا نشتهي الحلوى ولكن لا يوجد معنا ثمنها، في الأعياد كانت مديرة الدار تشتري لنا الحلوى، فكنا ننتظر الأعياد لنأكل الحلوى التي نحبها ولكننا افتقدنا الزيارات والأسر البديلة، مع كل سيدة تأتي للدار أتخيلها أمي وأتخيل أني في حضنها وأنها تواجه العالم أجمع لتحميني ولكني افتقدت حتى هذا الخيال، كانت إيمان تضحك من خيالاتي تلك وأمنياتي، وكانت تقول لي إننا لم نعد أطفالًا كي نحلم، علينا مواجهة الواقع المؤلم الذي يطاردنا ويعاملنا على أننا آفات يجب القضاء عليها.

أعرف أن إيمان معها كل الحق في ذلك، ولكنني كنت أحتاج للحلم لكي أستطيع تحمل الواقع المرير، ومع ارتدائي الحجاب وحفظي للقرآن الكريم كانت تهكماتها تزداد، وكانت دائمًا تقول لي: لن يهتم المجتمع الخارجي "أي خارج الملجأ" بحفظك للقرآن والأحاديث، كل ما سيهم هؤلاء هو أنك سلعة رخيصة لا ثمن لها وحق مستباح للجميع، لن تقبلك أسرةٌ زوجةً لابنهم وأنتِ تعلمين السبب، لن تصلي لشيء ولن تكوني صديقة لأحد غيرنا نحن الثلاثة، نحن عانينا نفس المشاكل وخضنا ذات التجارب لذا لن يفهمنا غيرنا.

لم تحفظ إيمان القرآن في الدروس التي كنا ندرسها في دار الأيتام، كما أنها رفضت أن تحضر معي دروس العلم في المسجد القريب من الدار، أما داوود هو من كان يشجعني على المضي قدمًا في حفظ القرآن والأحاديث وحضور دروس العلم، شجعني على الحجاب وارتداء الزي الشرعي، وكنت أشعر بغيرة إيمان مني على داوود، وكانت تتعمد إثارة غضبه واستفزازه، كنت أعلم أنها تحبه وأنه يحبها، لقد اعترف لي من قبل بحبه لإيمان ولكنه يخشى مصارحة أهله بحبه لها ورغبته في الزواج منها، ويخشى من تصرفاتها المتهورة المندفعة.

دخلت إيمان مدرسة ثانوي تجاري ولم تكمل بعدها دراسة، وبدأت البحث عن عمل بعد إنهاء المرحلة الثانوية والخروج من الدار نهائيًا ومواجهة أهوال الحياة، أما داوود ففعل كما فعلت، التحقنا بمدارس للثانوي العام وبحثنا بعدها عن عمل يساعدنا في تحمل نفقات الحياة والجامعة بعد أن تركنا الدار لبلوغنا سن ثمانية عشر عامًا، رغم عدم تحملنا مصروفات دراسية نظرًا لكوننا أيتامًا إلا أن طلبات أساتذة الجامعة والكتب لم تكن ضمن الإعفاء؛ لذا كان لابد لنا من عمل، عمل داوود في توصيل الطلبات في محل أطعمة، بينما عملت أنا في أحد مكاتب التصوير عند الجامعة بجانب كتابة المحاضرات وبيعها للمكتب، كنت أقوم بالتصوير وتنظيف المحل في الفترات التي لا يكون عندي محاضرات خلالها، وكان لابد لنا من البحث عن مكان للسكن.

وجدت أنا وإيمان غرفة فوق سطح أحد بنايات بين السرايات، لأكون قريبة من الجامعة ومن عملي، كما وجدت إيمان عملًا في محل تجميل نسائي في منطقة بين السرايات ووجد داوود سكنًا في حجرة فوق سطح أحد بنايات بين السريات تبعده عنا بضع بنايات ليكون قريبًا من الجامعة ومن عمله ويوفر ثمن الموصلات للدراسة.

كان ينسخ محاضراته في المكتب الذي أعمل به، وكما اتفقنا مع صاحب المكتب فالتصوير لداوود مجاني مقابل تصوير المحاضرات التي يكتبها في كليته ويعمل في توصيل الطلبات في غير أوقات المحاضرات، وظللنا نعمل وندرس حتى أنهينا الجامعة، استطاع داوود أن يحصل على وظيفة معيد بالكلية نظرًا لحصوله على تقدير عام جيد جدا مع مرتبة الشرف، وقرر المضي قدمًا في المجال الأكاديمي، وعندها وجد أن إيمان لم تعد تصلح زوجة له، خاصة بعد أن ذاع في المنطقة أخبار عن أعمال مشبوهة ومنافية للآداب تتم في محل التجميل الذي تعمل به إيمان، ورفضت إيمان ترك العمل به.

قطع داوود علاقته بإيمان وكذلك فعلت أنا أيضًا، بعد تخرجي وكوني من العشرة الأوائل على دفعتي تم تعييني في إحدى المصالح الحكومية، وتركت عملي في مكتب التصوير وبحثت عن غرفة أخرى قريبة من عملي لتوفير نفقات الموصلات، وكانت الغرفة في حي بين السرايات أيضًا حجرة على سطح أحد البنايات هناك وتركت إيمان وداوود وراء ظهري وذهب كلٌ منا في اتجاه".


الفصل الثالث عشر


 والدة فارس: فارس يا ابني عايزة أتكلم معاك.

فارس: اتفضلي يا أمي خير؟

والدة فارس: بص يا ابني أنا ضميري أنبني على إني كنت سبب في طلاق مراتك، أنا عندي بنات وأخاف يحصل كده في أخت من اخواتك البنات.

قاطعها فارس: خلاص يا أمي ما يجيش منه الكلام، أنا طلقتها واللي كان كان.

والدة فارس: يا ابني حرام البنت إن كانت غلطت فعشان أنا استفزيتها زي كل مرة، كنت عايزاها تغلط عشان أخليك تطلقها، وده اللي حصل وكان نفسي فيه كنت فاكرة إني هرتاح بس الهم والحزن اللي على وشك ما اقدرش استحمله، وبصراحة لما قلت لي طلقتها أنا فرحت بس ما اعرفش إيه اللي خلاني أشوف أخواتك مكانها؟!!

فارس: خلاص يا أمي اللي حصل حصل.

والدة فارس: لا يا ابني لو عايزني أروح لها واصالحها أروح المهم ما اشوفش الهم ده على وشك.

فارس: ولاء في المستشفى.

والدة فارس باستغراب واستنكار لفعل فارس: يا عيب الشوم يا ابني، بقى تطلق مراتك وتسيبها في المستشفى، إنتَ مش عارف إنها وحيدة في الدنيا ومقطوعة من شجرة؟!، اخس عليك، هي أي مستشفى انا لازم ازورها.

فارس بعصبية واستهجان: يا سبحان الله مش دي اللي كنتِ شايلاها على دماغك وكل شوية طلقها اتجوز عليها، دلوقتي صعبانة عليكِ وطلعت أنا الغلطان، مش إنتِ اللي قلتي لساني مش ح يخاطب لسانك طول ما هي على ذمتك، ارحموني بقى حرام عليكم.

بكت والدة فارس من انفعاله عليها، لأول مرة ينفعل فارس عليها ويعلو صوته، عندما رأى فارس دموعها أنب نفسه وقام قبل رأسها واستسمحها، سامحته ولكنها اشترطت عليه رد ولاء، كانت ثورة فارس لأنه شعر أنه بين نارين الأولى نار كرامته التي يرى أن ولاء أهدرتها، والثانية حبه لها وعدم قدرته على مسامحتها، احتضن والدته واستأذنها أن يخرج ليتنسم الهواء، وطلبت منه التفكير في رد ولاء لعصمته مرة أخرى قبل أن تتم عدتها، وسألته عن اسم المستشفى لتزورها، إلا أنه أبى أن تعرف أن ولاء مريضة نفسية.

خرج فارس من منزل والدته ولا يعرف إلى أين يذهب لذا ترك لقدميه العنان، وجد نفسه أمام عيادة الطبيب النفسي المعالج لولاء، فصعد وطلب مقابلته.


الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...