الاثنين، 14 ديسمبر 2015

عقيلة -الفصل السابع عشر (أطياف من الماضي)

بعد حادثة هاني وما مررنا به عرفت حملي، وأني أحمل في أحشائي جنين يجمعني بزوجي وحبيبي توفيق، كنت أتمنى أن يكون ولدا، لم يكن متاحا وقتها أن نعرف جنس المولود ولكن لا أعلم لماذا تذكرت قول جدي يوسف أني لن يكون لي سوى ابنة واحدة من توفيق، سرعان ما نفضت الفكرة عن رأسي فلا يعلم الغيب إلا الله، ولكني دون أن أشعر هيأت نفسي أنها ستكون وحيدتي.
منذ بداية الأربعينات وانتشار السينما والحفلات الغنائية بدأت النساء تتخلى عن غطاء الوجه وتضع بعض مساحيق التجميل وكان ذلك في الطبقة العليا، أما غير المسلمات في تلك الفترة بدأن في ارتداء فساتين تشبه تلك التي تظهر بها النجمات في السينما، لم يرقني أبدا أن أخلع الحجاب وأخرج دونه وأرتدي ملابس ضيقة تبرز منطقة الصدر والوسط، بدأت النساء التشبه بأم كلثوم وليلى مراد والنجمات اليهوديات وغير المصريات، وبدأ الوضع يزداد سوءا بعد الانقلاب العسكري وحادثة المنشية، لقد أصبح الإلحاد مباحا وخلع الحجاب والتبرج من المباحات، قصرت التنورات حتى أصبحت لا تصل للركبة وكذلك حال الفساتين، انتشرت موضة "الميني جيب" و"الميكروجيب"، زاد الاختلاط بصورة مبالغ فيها، أصبح من يصلي مادة خصبة للسخرية منه، أصبح الملتزم بدينه متطرف يجب القضاء عليه، وبدأ المجتمع في التغير.
في البداية كان كل مجتمع يلفظ من يترك دينه ويلحد ويكفر بخالقه، ثم بعد ذلك بدأ يتقبل الوضع عندما زاد عدد هؤلاء –طبعا أقصد بالمجتمع المنطقة التي نسكن بها –كانت هناك أخلاق وشهامة تسيطر على السكان، ممنوع أن تعاكس جارة لك تقطن في نفس المنطقة، وإن وجدت من يعاكسها أو يتحرش بها عليك التصدي له وضربه، إذا وجد ابن جار لك يفعل أي شيء مخالف عليك تأديبه ويشكرك جارك، تغير كل ذلك دون أن نشعر.
كنا إذا خبز أحدنا حلوى وزع على جيرانه ليتذوق الجميع، وإذا اشترى أحدنا فاكهة لها رائحة نافذة يوزع منها على جيرانه، إذا علمنا أن أحد أصابه مكروه في عمله وتعطل عن العمل فترة تتكاتف الأيدي وتمد يد العون له بأموال وطعام وشراب وعمل. لا أعلم ماذا حدث ولكن أعتقد عندما حدث التأميم تمت مصادرة الأراضي والأملاك، واغتصبت الأملاك من أصحابها وملاكها، هرب الملاك وتشرد العمال، وعندما حاولت الحكومة حل المشكلة بالتعيين الحكومي أصبح الدخل لا يكفي الأسرة وضن كل شخص بما معه لأنه لا يعلم ماذا يخبئ له الغد. عندما ابتعدنا عن الدين وتعرت النساء وفرحت عائلتهم بذلك ماتت المروءة وانتهت، وانتهى معها عصر كانت المرأة فيه مصانة، كانت ملكة متوجة، وبدأنا عصر ينادى فيه بعري المرأة وإتاحة العلاقات الزوجية بلا زواج.
عندما ظهرت الدعوات التي تنادي بعمل المرأة كانت مصدر للضحك والسخرية مني وهل المرأة لا تعمل؟ هل ينقصها من الأعباء ما تزيد عليه بالعمل خارج المنزل؟ لقد تعلمنا وكانت النساء تتعلم للقيام بوظيفة ذات أهمية عظمى وهي إعداد جيل طيب الأخلاق، ولكن حتى النساء احتقرن تلك المهمة العظيمة التي ألقيت على أكتافهن وجدن أنها وظيفة الخادمات، كان لنا من الخدم الكثير ولكن كانت الأم هي الأم، هي من تربي وتتابع الأبناء، تتعلم جيدا حتى تساعدهم على دروسهم، تعلمهم القيم والأخلاق وتراعي بيت زوجها وماله. أما نتيجة هذه الدعوات ظهرت بعد حين في السبعينات من القرن العشرين، ذهبت النساء للعمل وبالفعل لم يستطعن التوفيق بين مهام الأمومة والعمل، وظهر الجيل الذي تركته أمه ليتربى وحده، وظهر الفساد.
مرت شهور الحمل وخلالها تعرفت أكثر على ليلى وتكلمت معها، لقد علمت منذ حادثة هاني أني أراها هي وعثمان وإسماعيل، تحادثنا كثيرا كانت تسري عني وقت خروج توفيق للعمل، أحببتها كأنها أمي وأخبرتها بما قاله لي يوسف وأخبرتها أني رأيت شمس أيضا، لكنها تفاجأت برؤيتي لشمس؛ فلم تظهر شمس بعد وفاتها لأحد ولكنها ظهرت لي ولم ترها ليلى ولم يرها أحد.
كانت ليلى مرشدي في رحلة حملي، لأول مرة أتحدث معها عن موهبتي وشرحت هي لي معنى هذه الموهبة ومشاكلها ومزاياها، ولكني صراحة لم أجد أن لها مزايا. عندما جاءني المخاض كان توفيق في خلوته ودون أن يشعر غفا في مكانه، لم تصل له صرخات مخاضي فذهبت له ليلى لتوقظه ليأتي ليساعدني وأخبرته بما يجب عليه فعله، ووضعت وحيدتي آمال.
كانت آمال آية من الجمال، بيضاء ذات شعر ذهبي بلون الذهب وعيون عسلية تخجل من جمالها الشمس، كانت منذ ولادتها لا تفارق وجهها الضحكة، كانت ملاكا. لا تستيقظ وأنا نائمة كانت غريبة ومريحة لم تتعبني يوما.
وبعد ولادة آمال جلس معي توفيق يتحدث عن مواهبي الخفية فحكيت له كل شيء عني وعن جدي يوسف والأطفال الذين كنت ألعب معهم في حديقة منزلي والأشباح في شقة الأباجية، ورؤيتي لليلى وعثمان وإسماعيل ويوسف وشمس. استغرب توفيق تلك القرابة التي تربط بيننا دون أن ندري، والظروف المشابهة التي سلبت كل منا ما يملك وتركته يبدأ من جديد، من نقطة الصفر.
كنت أخاف من صراحة توفيق ورأيه في الانقلاب وما حدث بداية من الإطاحة بالملك حتى الإطاحة بمحمد نجيب، الأحداث تتوالى والأخطاء تزيد، وعيون العسكر تنتشر في كل مكان. كانت بعض هذه العيون تأتي لزوجي لطلب العون، حيث ذاع صيته وعلت شهرته في مجال الأرواح والمس. كنت أعرف تلك العيون المندسة بمجرد وقوفهم ببابنا ولكن توفيق نهاني عن طرد طارق لنا حتى وإن عرفت أنه كاذب ومخادع، رغم علمه بكذبهم لم يجرح أيهم بكلمة ولا تصرف، كنت أتكلم مع إدريس ليحميه من بعض السحرة والعاملين في السحر الأسود، وما أكثرهم في ذلك الوقت. عندما يختفي الدين والتدين يصبح السحر والشعوذة هما الملاذ والملجأ، يذهب البعض للمشعوذين والدجالين لطلب المال والعيال، وينسى هؤلاء رب الكون موزع الأرزاق. بالطبع لم يكن عدد هؤلاء الدجالين كما هو الحال في عالمكم الآن لقد كان بالنسبة لنا كثيرا ولكن مقارنة بما لديكم الآن هو لا شيء.
كبرت آمال ووصلت للرابعة لاحظت نظراتها وكلامها مع ليلى وعثمان كلما اختلت بنفسها وقلت لتوفيق، كانت آمال شديدة التعلق بتوفيق وتعشقه وتحبه وكان هو يبادلها نفس الحب والخوف عليها وعلى مستقبلها، كان يخاف عليها ونقل خوفه لي عندما علمنا أنها آخر نسلنا، لم أتوقع يوما ألا يتزوج هذا الملاك، ولكنه قضاء الله وقسمته فلا راد لقضائه.
طلب منها توفيق ألا تتكلم مع أحد حتى أنا في هذه الهبة حتى نتأكد من كتمانها للسر، فهي طفلة ولا يكتم الطفل سرا، ولكن حقيقة كتمته ولم تتفوه بكلمة، كنا نخاف عليها كثيرا، لقد كانت ترى وتسمع منذ وعت على هذه الدنيا، حتى قبل أن تتعلم الكلمات والحروف.
كانت لذلك مزية وهي عدم خوفها مما ترى والتأقلم مع تلك الموهبة الفريدة، لذا أصر توفيق على تحفيظها كتاب الله، وأصر أن تعي دينها جيدا وتفهمه لا أن يفرض عليها دون فهم، لقد فهم توفيق الدرس ووعاه جيدا، حتى تتخطى صعاب الكون لابد لك أن تفهم وأن تعرف سبب كل أمر ونهي أمرت به ونهيت عنه.
عندما دخلت ابنتي الصف الأول الابتدائي فرحت بها كثيرا، خاصة أنها حفظت الكثير من كتاب الله. كانت تلك الفترة مليئة بالأحداث التي يشيب لها الولدان، حدث العدوان الثلاثي على مصر وبعدها الديون التي فرضت عليها والأموال التي أقرضتها مصر لبريطانيا وغيرها ضاعت ولم يطالب بها أحد، ما هذا الهراء، فرض علينا الغذاء والكساء، نقف طوابير طويلة لنحصل على القماش الذي نفصله ليكون ملابس، وطوابير أخرى لنحصل على الفراخ واللحم وطوابير للحصول على الخبر، وأخرى للتموين، لقد كرهت الطوابير، تحولت حياتنا لطوابير لا تنتهي، ومساخر لا تنفد أبد. ثم كانت الطامة الكبرى، لقد حدثت نكسة 1967 –هكذا يقولون، نكسة –أعرف كما يعرف توفيق وغيرنا أنها هزيمة، جيش هزم آخر، ونحن الجيش المهزوم.
لقد كانت نتيجة تلك الحرب معروفة سلفا، جيل ابتعد عن كتاب الله، وجيش منع عنه الصلاة والصيام وأي فرض فرضه الله، جيش تحول للعلمانية؛ فقد صدرت التعليمات غير المكتوبة بعلمانية الجيش، ممنوع الصلاة، ممنوع الصيام ممنوع ذكر الله، فكان التدين في الجيش في الخفاء، وكان الإلحاد سيد الموقف، رافق كل ضابط أكثر من غانية، كانت الممثلات والراقصات غانيات هؤلاء القوم، لم يكن هناك تدريب عسكري وكانت اللذة والمتعة والشهوة للمال والسلطة هي المسيطرة، فأي جيش ذلك لينتصر على عدو له؟! لو كان الجيش انتصر لكان هناك خطأ في مقادير الكون، كافة المؤشرات تشير بالهزيمة المحققة إذا لم يتغير ذلك الوضع، ولكنه لم يتغير وبالفعل حدثت الهزيمة.
كانت المدارس تلقن الطلاب أنها نكسة وليست هزيمة، وأننا قادرون على هزيمة تلك الإسرائيل، بالطبع لم أقول لابنتي أن ذلك خطأ، كنت أخاف عليها إن هي تكلمت مع أحد بذلك أن يصيبها السوء، وكان توفيق يوبخني على صمتي عما تقوله المعلمة لابنتنا وكان يقول لها الحقيقة كما هي، كنت أخاف على كليهما، لا أطيق فراق أي منهما ولا إصابته بسوء وكنت أدعو الله أن يحفظهما لي. أما توفيق لم يكتف بكلامه مع ابنتنا وتوضيح الأمر برمته لها في تلك السن المبكرة، لقد جن جنونه بعد خطاب التنحي ونزول الشعب لمطالبة عبد الناصر بالرجوع للسلطة والثأر لشعب مهزوم، والصراع الذي نشأ بين عبد الناصر عبد الحكيم عامر واشتد بينهما بعد إقالة عبد الحكيم من منصبه في قيادة الجيش، وانقسام الجيش مع تلك الصراعات، الصراعات التي راح ضحيتها الشعب الخانع لكل منتصر، كان توفيق يقول ذلك الكلام لكل من يقابله، حتى عفّ الناس عن طلب العون منه وكأن الأرواح والأشباح انتهت من هذا الكون، وأن الجميع أصبح يعرف ما يريده.
لم يمر وقت طويل حتى طلبت مني ليلى أن أحرض توفيق على الهرب، أن نهرب جميعا ونترك المحروسة ونذهب للشام أو أي بلد أخرى، ولكن توفيق أبى إلا أن يواجه مصيره كما هو، ذهب لعمله رغم تحذيرنا جميعا له، لم يستجب لتحذيرات إدريس له بالهرب، وقبض عليه في مقر عمله، وبعد القبض عليه فتشت الشرطة منزلنا، خافت ابنتي كثيرا ولكني كنت قوية، كان لابد لي أن أكون كذلك، فأنا أمها وأبوها، لقد صدق جدي يوسف في نبوءته.
بعد فترة علمت وفاة توفيق عندما وجدت طيفه أمامي، أدركت العذاب الذي تعرض له، حتى أنهم لم يدفنوه رموه في الصحراء، لذا قررت أن أذهب في المكان الذي قال عليها مع والدي وابن عمي ووجدنا جثته بالفعل ودفناها كما يليق بها في مدافن أسرته، بعد أن حصل منا اللحّاد على رشوة ليدفنه دون تصريح.



السبت، 12 ديسمبر 2015

عقيلة -الفصل السادس عشر (أطياف من الماضي)

بعد حادثة هاني وما مررنا به عرفت حملي، وأني أحمل في أحشائي جنين يجمعني بزوجي وحبيبي توفيق، كنت أتمنى أن يكون ولدا، لم يكن متاحا وقتها أن نعرف جنس المولود ولكن لا أعلم لماذا تذكرت قول جدي يوسف أني لن يكون لي سوى ابنة واحدة من توفيق، سرعان ما نفضت الفكرة عن رأسي فلا يعلم الغيب إلا الله، ولكني دون أن أشعر هيأت نفسي أنها ستكون وحيدتي.
منذ بداية الأربعينات وانتشار السينما والحفلات الغنائية بدأت النساء تتخلى عن غطاء الوجه وتضع بعض مساحيق التجميل وكان ذلك في الطبقة العليا، أما غير المسلمات في تلك الفترة بدأن في ارتداء فساتين تشبه تلك التي تظهر بها النجمات في السينما، لم يرقني أبدا أن أخلع الحجاب وأخرج دونه وأرتدي ملابس ضيقة تبرز منطقة الصدر والوسط، بدأت النساء التشبه بأم كلثوم وليلى مراد والنجمات اليهوديات وغير المصريات، وبدأ الوضع يزداد سوءا بعد الانقلاب العسكري وحادثة المنشية، لقد أصبح الإلحاد مباحا وخلع الحجاب والتبرج من المباحات، قصرت التنورات حتى أصبحت لا تصل للركبة وكذلك حال الفساتين، انتشرت موضة "الميني جيب" و"الميكروجيب"، زاد الاختلاط بصورة مبالغ فيها، أصبح من يصلي مادة خصبة للسخرية منه، أصبح الملتزم بدينه متطرف يجب القضاء عليه، وبدأ المجتمع في التغير.
في البداية كان كل مجتمع يلفظ من يترك دينه ويلحد ويكفر بخالقه، ثم بعد ذلك بدأ يتقبل الوضع عندما زاد عدد هؤلاء –طبعا أقصد بالمجتمع المنطقة التي نسكن بها –كانت هناك أخلاق وشهامة تسيطر على السكان، ممنوع أن تعاكس جارة لك تقطن في نفس المنطقة، وإن وجدت من يعاكسها أو يتحرش بها عليك التصدي له وضربه، إذا وجد ابن جار لك يفعل أي شيء مخالف عليك تأديبه ويشكرك جارك، تغير كل ذلك دون أن نشعر.
كنا إذا خبز أحدنا حلوى وزع على جيرانه ليتذوق الجميع، وإذا اشترى أحدنا فاكهة لها رائحة نافذة يوزع منها على جيرانه، إذا علمنا أن أحد أصابه مكروه في عمله وتعطل عن العمل فترة تتكاتف الأيدي وتمد يد العون له بأموال وطعام وشراب وعمل. لا أعلم ماذا حدث ولكن أعتقد عندما حدث التأميم تمت مصادرة الأراضي والأملاك، واغتصبت الأملاك من أصحابها وملاكها، هرب الملاك وتشرد العمال، وعندما حاولت الحكومة حل المشكلة بالتعيين الحكومي أصبح الدخل لا يكفي الأسرة وضن كل شخص بما معه لأنه لا يعلم ماذا يخبئ له الغد. عندما ابتعدنا عن الدين وتعرت النساء وفرحت عائلتهم بذلك ماتت المروءة وانتهت، وانتهى معها عصر كانت المرأة فيه مصانة، كانت ملكة متوجة، وبدأنا عصر ينادى فيه بعري المرأة وإتاحة العلاقات الزوجية بلا زواج.
عندما ظهرت الدعوات التي تنادي بعمل المرأة كانت مصدر للضحك والسخرية مني وهل المرأة لا تعمل؟ هل ينقصها من الأعباء ما تزيد عليه بالعمل خارج المنزل؟ لقد تعلمنا وكانت النساء تتعلم للقيام بوظيفة ذات أهمية عظمى وهي إعداد جيل طيب الأخلاق، ولكن حتى النساء احتقرن تلك المهمة العظيمة التي ألقيت على أكتافهن وجدن أنها وظيفة الخادمات، كان لنا من الخدم الكثير ولكن كانت الأم هي الأم، هي من تربي وتتابع الأبناء، تتعلم جيدا حتى تساعدهم على دروسهم، تعلمهم القيم والأخلاق وتراعي بيت زوجها وماله. أما نتيجة هذه الدعوات ظهرت بعد حين في السبعينات من القرن العشرين، ذهبت النساء للعمل وبالفعل لم يستطعن التوفيق بين مهام الأمومة والعمل، وظهر الجيل الذي تركته أمه ليتربى وحده، وظهر الفساد.
مرت شهور الحمل وخلالها تعرفت أكثر على ليلى وتكلمت معها، لقد علمت منذ حادثة هاني أني أراها هي وعثمان وإسماعيل، تحادثنا كثيرا كانت تسري عني وقت خروج توفيق للعمل، أحببتها كأنها أمي وأخبرتها بما قاله لي يوسف وأخبرتها أني رأيت شمس أيضا، لكنها تفاجأت برؤيتي لشمس؛ فلم تظهر شمس بعد وفاتها لأحد ولكنها ظهرت لي ولم ترها ليلى ولم يرها أحد.
كانت ليلى مرشدي في رحلة حملي، لأول مرة أتحدث معها عن موهبتي وشرحت هي لي معنى هذه الموهبة ومشاكلها ومزاياها، ولكني صراحة لم أجد أن لها مزايا. عندما جاءني المخاض كان توفيق في خلوته ودون أن يشعر غفا في مكانه، لم تصل له صرخات مخاضي فذهبت له ليلى لتوقظه ليأتي ليساعدني وأخبرته بما يجب عليه فعله، ووضعت وحيدتي آمال.
كانت آمال آية من الجمال، بيضاء ذات شعر ذهبي بلون الذهب وعيون عسلية تخجل من جمالها الشمس، كانت منذ ولادتها لا تفارق وجهها الضحكة، كانت ملاكا. لا تستيقظ وأنا نائمة كانت غريبة ومريحة لم تتعبني يوما.
وبعد ولادة آمال جلس معي توفيق يتحدث عن مواهبي الخفية فحكيت له كل شيء عني وعن جدي يوسف والأطفال الذين كنت ألعب معهم في حديقة منزلي والأشباح في شقة الأباجية، ورؤيتي لليلى وعثمان وإسماعيل ويوسف وشمس. استغرب توفيق تلك القرابة التي تربط بيننا دون أن ندري، والظروف المشابهة التي سلبت كل منا ما يملك وتركته يبدأ من جديد، من نقطة الصفر.
كنت أخاف من صراحة توفيق ورأيه في الانقلاب وما حدث بداية من الإطاحة بالملك حتى الإطاحة بمحمد نجيب، الأحداث تتوالى والأخطاء تزيد، وعيون العسكر تنتشر في كل مكان. كانت بعض هذه العيون تأتي لزوجي لطلب العون، حيث ذاع صيته وعلت شهرته في مجال الأرواح والمس. كنت أعرف تلك العيون المندسة بمجرد وقوفهم ببابنا ولكن توفيق نهاني عن طرد طارق لنا حتى وإن عرفت أنه كاذب ومخادع، رغم علمه بكذبهم لم يجرح أيهم بكلمة ولا تصرف، كنت أتكلم مع إدريس ليحميه من بعض السحرة والعاملين في السحر الأسود، وما أكثرهم في ذلك الوقت. عندما يختفي الدين والتدين يصبح السحر والشعوذة هما الملاذ والملجأ، يذهب البعض للمشعوذين والدجالين لطلب المال والعيال، وينسى هؤلاء رب الكون موزع الأرزاق. بالطبع لم يكن عدد هؤلاء الدجالين كما هو الحال في عالمكم الآن لقد كان بالنسبة لنا كثيرا ولكن مقارنة بما لديكم الآن هو لا شيء.
كبرت آمال ووصلت للرابعة لاحظت نظراتها وكلامها مع ليلى وعثمان كلما اختلت بنفسها وقلت لتوفيق، كانت آمال شديدة التعلق بتوفيق وتعشقه وتحبه وكان هو يبادلها نفس الحب والخوف عليها وعلى مستقبلها، كان يخاف عليها ونقل خوفه لي عندما علمنا أنها آخر نسلنا، لم أتوقع يوما ألا يتزوج هذا الملاك، ولكنه قضاء الله وقسمته فلا راد لقضائه.
طلب منها توفيق ألا تتكلم مع أحد حتى أنا في هذه الهبة حتى نتأكد من كتمانها للسر، فهي طفلة ولا يكتم الطفل سرا، ولكن حقيقة كتمته ولم تتفوه بكلمة، كنا نخاف عليها كثيرا، لقد كانت ترى وتسمع منذ وعت على هذه الدنيا، حتى قبل أن تتعلم الكلمات والحروف.
كانت لذلك مزية وهي عدم خوفها مما ترى والتأقلم مع تلك الموهبة الفريدة، لذا أصر توفيق على تحفيظها كتاب الله، وأصر أن تعي دينها جيدا وتفهمه لا أن يفرض عليها دون فهم، لقد فهم توفيق الدرس ووعاه جيدا، حتى تتخطى صعاب الكون لابد لك أن تفهم وأن تعرف سبب كل أمر ونهي أمرت به ونهيت عنه.
عندما دخلت ابنتي الصف الأول الابتدائي فرحت بها كثيرا، خاصة أنها حفظت الكثير من كتاب الله. كانت تلك الفترة مليئة بالأحداث التي يشيب لها الولدان، حدث العدوان الثلاثي على مصر وبعدها الديون التي فرضت عليها والأموال التي أقرضتها مصر لبريطانيا وغيرها ضاعت ولم يطالب بها أحد، ما هذا الهراء، فرض علينا الغذاء والكساء، نقف طوابير طويلة لنحصل على القماش الذي نفصله ليكون ملابس، وطوابير أخرى لنحصل على الفراخ واللحم وطوابير للحصول على الخبر، وأخرى للتموين، لقد كرهت الطوابير، تحولت حياتنا لطوابير لا تنتهي، ومساخر لا تنفد أبد. ثم كانت الطامة الكبرى، لقد حدثت نكسة 1967 –هكذا يقولون، نكسة –أعرف كما يعرف توفيق وغيرنا أنها هزيمة، جيش هزم آخر، ونحن الجيش المهزوم.
لقد كانت نتيجة تلك الحرب معروفة سلفا، جيل ابتعد عن كتاب الله، وجيش منع عنه الصلاة والصيام وأي فرض فرضه الله، جيش تحول للعلمانية؛ فقد صدرت التعليمات غير المكتوبة بعلمانية الجيش، ممنوع الصلاة، ممنوع الصيام ممنوع ذكر الله، فكان التدين في الجيش في الخفاء، وكان الإلحاد سيد الموقف، رافق كل ضابط أكثر من غانية، كانت الممثلات والراقصات غانيات هؤلاء القوم، لم يكن هناك تدريب عسكري وكانت اللذة والمتعة والشهوة للمال والسلطة هي المسيطرة، فأي جيش ذلك لينتصر على عدو له؟! لو كان الجيش انتصر لكان هناك خطأ في مقادير الكون، كافة المؤشرات تشير بالهزيمة المحققة إذا لم يتغير ذلك الوضع، ولكنه لم يتغير وبالفعل حدثت الهزيمة.
كانت المدارس تلقن الطلاب أنها نكسة وليست هزيمة، وأننا قادرون على هزيمة تلك الإسرائيل، بالطبع لم أقول لابنتي أن ذلك خطأ، كنت أخاف عليها إن هي تكلمت مع أحد بذلك أن يصيبها السوء، وكان توفيق يوبخني على صمتي عما تقوله المعلمة لابنتنا وكان يقول لها الحقيقة كما هي، كنت أخاف على كليهما، لا أطيق فراق أي منهما ولا إصابته بسوء وكنت أدعو الله أن يحفظهما لي. أما توفيق لم يكتف بكلامه مع ابنتنا وتوضيح الأمر برمته لها في تلك السن المبكرة، لقد جن جنونه بعد خطاب التنحي ونزول الشعب لمطالبة عبد الناصر بالرجوع للسلطة والثأر لشعب مهزوم، والصراع الذي نشأ بين عبد الناصر عبد الحكيم عامر واشتد بينهما بعد إقالة عبد الحكيم من منصبه في قيادة الجيش، وانقسام الجيش مع تلك الصراعات، الصراعات التي راح ضحيتها الشعب الخانع لكل منتصر، كان توفيق يقول ذلك الكلام لكل من يقابله، حتى عفّ الناس عن طلب العون منه وكأن الأرواح والأشباح انتهت من هذا الكون، وأن الجميع أصبح يعرف ما يريده.
لم يمر وقت طويل حتى طلبت مني ليلى أن أحرض توفيق على الهرب، أن نهرب جميعا ونترك المحروسة ونذهب للشام أو أي بلد أخرى، ولكن توفيق أبى إلا أن يواجه مصيره كما هو، ذهب لعمله رغم تحذيرنا جميعا له، لم يستجب لتحذيرات إدريس له بالهرب، وقبض عليه في مقر عمله، وبعد القبض عليه فتشت الشرطة منزلنا، خافت ابنتي كثيرا ولكني كنت قوية، كان لابد لي أن أكون كذلك، فأنا أمها وأبوها، لقد صدق جدي يوسف في نبوءته.
بعد فترة علمت وفاة توفيق عندما وجدت طيفه أمامي، أدركت العذاب الذي تعرض له، حتى أنهم لم يدفنوه رموه في الصحراء، لذا قررت أن أذهب في المكان الذي قال عليها مع والدي وابن عمي ووجدنا جثته بالفعل ودفناها كما يليق بها في مدافن أسرته، بعد أن حصل منا اللحّاد على رشوة ليدفنه دون تصريح.



الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

عقيلة -الفصل الخامس عشر (أطياف من الماضي)

تزوجت من توفيق عام 1958، ووجدت نفس الثلاث أشخاص الذين حضروا طلبه الزواج مني لا يبارحونه، بل وجدته يتحدث معهم في الغرفة الأخرى التي خصصها لخلوته وصلاته النافلة، لم يترك توفيق منذ عرفته صلاة الفرض في المسجد، أما البيت فيخصه بصلاة النافلة وقراءة القرآن، ما أحلى صوته وهو يرتله. كان صوته وهو يقرأ كأنه يقرأ من السماوات العلا، وأنه يرتقي هناك بتلاوته، ويأخذك صوته بخشوعه وحلاوته ليرتفع بك عن هذه الدنيا، ما أجمل الوقت الذي كنت استمع فيه لتوفيق وهو يقرأ.
بعد زواجي من توفيق بحوالي الشهرين ذهبنا لزيارة والداي والاطمئنان عليهما، لم نتركهما منذ زواجنا ولكن كانت هناك واقعة غريبة في ذلك اليوم. عندما ذهبنا لوالدي وجدنا هناك هاني جارنا، استغربت مجيئه لنا، هاني ألحد منذ فترة، مع ظهور الشيوعية وتشجيع الحكومة الجديدة للثورة على الشيوعية وترك الدين. رغم تشجيع الحكومة على الشيوعية والإلحاد ومحاربة أي وجه للتقرب لله بادعاء التطرف والإرهاب، كانت الأهالي تبعد عن كل من بعد عن الله وتركه، كان ينبذ تلقائيا ويلفظ خارج المجتمع الصغير ليجد من هو مثله ويكونوا مجتمعهم الخاص بهم. ولكن ما سبب مجيء هاني لدارنا، ولكني لم أشرع التفكير في ذلك بعد أن فتحت لنا أمي الباب وقالت لي أن هاني في الداخل مع أبي حتى وجدت حال البيت انقلب، بدأ الأثاث يتطاير والنار تنشب في كل مكان، وجدت توفيق يكلم السيدة ويقول لها ليلى، ويطلب منها حمايتنا، وطلب مني الدخول في الغرفة الأخرى مع أمي وقراءة ما تيسر من القرآن.
لم أشعر بالخوف وقتها، لقد اعتدت ظهور هذه الأشباح وقلبها حال المنزل، ثم يعود كل شيء كما كان وكأن شيء لم يكن. دخلت مع أمي وقرأت مما أحفظ من القرآن، ومع بداية القراءة كانت ليلى هي الأخرى تتلو القرآن وتؤمر بعض الجان بحماية المكان وحرق من يجرؤ على الاقتراب منه.
لم يشغلني وقتها من هي ليلى ولا ماذا تفعل ولا كيف أرى الجان، لقد كنت أعتقد أني أرى الأطياف والأشباح فقط. رأيت الجان على الهيئة التي أرادوا الظهور بها لتوفيق لترفع عنه الرعب من مظهرهم الحقيقي، كانت أمي مرعوبة جدا فكنت أقرأ من الآيات ما يبث في روحها السكينة والهدوء؛ حتى هدأ كل شيء وعاد كأن لم يحدث شيء. لاحظت ليلى أني لم أخف وأني كنت أراها منذ الوهلة الأولى، فكلمتني لتتأكد من ذلك وألقت عليّ السلام، رددت عليها السلام وحييتها واختفت هي وطلب أبي مني تجهيز حمام المنزل ليغتسل به هاني.
استغربت طلب والدي، ولكني ما لبثت أن عرفت حكاية هاني كلها، وعرفت حكاية الجان العاشق معه وما فعلته به، واستغربت خوفها مني ومن توفيق. ولكني بعد أن عرفت ما يسع توفيق فعله فهمت سبب خوفها من توفيق، وبعد كلامي مع ليلى عرفت أن لي من الإمكانات ما يمكنني أنا الأخرى من فعله. لقد عاد هاني عن إلحاده ونطق بالشهادتين وكان لابد له من الاغتسال والوضوء والصلاة، لقد كانت تجربه صعبة عليه، لم يتوقع أن يحدث له كل ذلك لكفره بالله وإلحاده، ولم يعرف هاني حتى بعد عودته لدينه مرة أخرى ونطقه بالشهادتين سبب ذهابه لوالدي، لقد دخل البيت قبلنا دخولنا بثواني قليلة، كان يقول أنه شعر بمن يدفعه لزيارة والدي رغم أنها المرة الأولى التي يدخل فيها دارنا، فذهب وهو لا يدري ماذا يقول، ولكنه علم سبب الزيارة بعد دخول توفيق، لقد كانت دعوة والدته ليهديه الله.



الاثنين، 7 ديسمبر 2015

عقيلة- الفصل الرابع عشر (أطياف من الماضي)

كان يوسف هو جدي لأمي، أنا عقيلة والدة آمال، كان لابد لي أن أعود بكم للماضي كي تعرفوا عني أصلي وعائلتي. كان لابن يوسف زوجة تحمل في أحشائها ولده، وضعته بعد وفاة زوجها بستة أشهر، أرسل لها يوسف قبل وفاته كل ماله لتنفق به على ولدها ولكنها بالطبع لم تعلم مصدر تلك الأموال المرسلة، وتربى ولدها في مصر وهكذا حتى أتت أمي لهذه الحياة الدنيا.
ولدت أمي عام 1910 لأسرة متوسطة الحال، كان والدها يعمل في ديوان الحكومة لقد كان أفندي في الديوان، لا أعرف كيف اختفت ثروة أجدادي ولا ماذا حدث لها. أعلم أنك تتساءل كيف عرفت عن يوسف ما عرفت، لسبب بسيط لقد زارني يوسف مرتين قبل زواجي من توفيق ولم يقل لي أن توفيق له صلة نسب وصهر لعائلة أمي، ولكنه حكى لي ما حدث وما كان، كنت أرى صدق توبته، أراك تسألني مرة أخرى كيف ذلك، أقول لك لقد أتى في زي أبيض ووجه يملأه النور، وعلمني في زيارته أن ما أراه وأسمعه من أطياف وأرواح وأشباح هي قدرة توارثتها بعض الأجيال في الأسرة.
كبرت والدتي وتزوجت من أبي وهي في سن السابعة عشر، كان والدي هو الآخر أفندي في الحكومة كان يعمل مع والدها وعين حديثا في الديوان، وكان عمره ثلاث وعشرين عاما، تزوجها ولم ينجبا غيري أنا عقيلة محمد ثابت.
عندما ولدت كنت مميزة، يقول أبي أني "وش الخير" على الأسرة، حيث وجد يوم ولادتي عشرة جنيهات في الشارع وكان الشارع خالي من المارة، إن ذلك المبلغ يعتبر ثروة عام 1930، ادخر ذلك المبلغ وحاول أن ينشئ تجارة صغيرة لنا لنعيش منها بجانب عمله في الحكومة وبالفعل قد كان ذلك.
كنا في ذلك الوقت نعيش في منزل صغير يتكون من طابقين في حي السيدة زينب، وهو حي شعبي ولكنه كان مناسبا لنا أن نعيش به. منذ بلغت الخامسة أصبحت أرى وأسمع أشياء وأطياف لا يراها غيري، ولكني لم أقدر على البوح بذلك، كنت ارتاد الكُتَّاب وأبي أصر على ذلك، ثم دخلت التعليم الابتدائي، وعندما أنهيت التعليم الابتدائي كنت قد أنهيت حفظ القرآن، وبلغت مبلغ النساء. منذ ذلك الوقت ارتديت حجابي ولم يسمح لي أبي بالخروج من المنزل إلا بصحبة أمي.
أحببت أنا ذلك، كنت أعلم أن قدرتي على رؤية الأرواح والأطياف هبة من الله، أخبرني أحد الأطياف ذلك، وقال لي لا يجب أن يعرف عنها أحد، عندما رأيتهم أول مرة وأنا في الخامسة رأيت طفلا صغيرا يريد أن يلهو ويلعب؛ لعبنا معا حتى أنهكني التعب ورقدت أستريح من التعب، ورأيت فرحة ذلك الطفل لأني لم أخف منه ولعبت معه، استغربت ذلك، ثم ما لبثت أن أدركت أننا وحدنا في المنزل فمن أين أتى ذلك الطفل؟!!
شعرت بالخوف، ولكن لا أدري لماذا لم أطلب أن أعرف من هو، تكلمنا كثيرا وتجاذبنا أطراف الحديث وقال لي أنني مميزة، كانت هذه الكلمة محببة إلى سمعي، إنها الكلمة دائما ما يقولها لي والدي الحبيب، ويغدق عليّ من النقود لأشتري به الحلوى والشكولاتة. ثم تتابعت رؤيتي للأطياف صغارا وكبار، سمعت منهم الكثير وتعلمت أكثر؛ كانوا يظهرون في غرفتي ليلا أو عندما أكون وحدي في الغرفة أو المنزل، كنت أحب تواجدهم معي كثيرا، وعرفت سبب شعوري أني مراقبة دوما.
لم أخبر أي من أبي أو أمي ما بي، وعلمت من دراستي أن الأرواح من علم الله، وأن الضار والنافع هو الله؛ لذلك تلاشى خوفي ولم أعد أخاف. وعندما بلغت مبلغ النساء ارتديت الحجاب كما أمر به الله، وكان ذلك في الوقت الذي ظهرت فيه دعوات كثيرة لخلع الحجاب والمطالبة بتعليم المرأة، لقد كانت البنات تذهب للكتاب، ثم يستحضر لها الأب من يعلمها في المنزل، وإلا كيف تعلمت البنات اللغات والعلوم الأخرى وظهر بينهن الصحافيات والكاتبات والشاعرات، وكيف ظهرت صفية زغلول وهدى شعراوي ومي زيادة؟!
كانت النساء ترتدي " الحبرة واليشمك" وهو يشمل غطاء للرأس والوجه، وكانت هناك العديد من المحاولات المستميتة حتى يظهر وجه المرأة ولا يختبئ وراء حجاب، لم أفهم لماذا هذا الإصرار على أن تظهر المرأة وجهها.
عندما كنت في العاشرة كانت السينما منتشرة والأفلام تعرض فيها، ورغم نظرة المجتمع السيئة للممثلات والممثلين باعتبارهم فئة ضالة ولا تلتزم بتقاليد المجتمع وآدابه وعاداته، إلا أن ملابس الممثلات وطريقة ظهورهن أغرت الكثيرات بتقليدها. في الأربعينات كانت معظم الممثلات من اليهوديات، وغير المصريات، وقلة قليلة هي المصرية، ولم تكن منتشرة، ولكن لا أعلم متى أصبح الجميع يريد أن يلبس كما الممثلات، يظهرن في الأفلام بفساتين وشعر مصفف بعناية، مع كمية لا بأس بها من أدوات التزيين.
عندما حدث حريق القاهرة في يناير من العام 1952 احترقت تجارة أبي واحترق منزلنا أيضا ووجدنا أنفسنا نبحث عن مأوى، وجد أبي مأوى لنا عند أحد أقاربه، عند ابن عمه كان يقطن في قنطرة السباع، انتقلنا هناك وحاول أبي أن يجمع بعض الأموال لنشتري بيت آخر ننتقل إليه، وتفرغ لعمله الحكومي.
أثناء بحثنا هنا وهناك كنت أنا أبلغ وكان ابن عم والدي لديه ولد أكبر مني ورأى أبي أن ذلك خطأ أن يختلط الجنسان، لأنه مكمن الخطر، في ذلك الوقت حدثت الانقلاب العسكري –كما أطلق عليه الضباط أنفسهم، الذي ما لبثوا أن قالوا عنه ثورة –وتولى الجيش زمام البلد وشيدت المحافظات وحدات سكنية للتمليك وأخرى للإيجار، ذهب أبي ليستعلم عن الأمر فوجد وحدات سكنية في منطقة تسمى الأباجية جاهزة للتسليم الفوري.
لم يتقص أبي عن المنطقة، بل أنهى الإجراءات وكان يتشوق لكي ننتقل لبيتنا نحن، لم نتذمر لضيق المنزل الجديد، بعد أن كان بيتنا القديم مكون من طابقين وحديقة، وجدنا أنفسنا في شقة مكونة من ثلاث غرف ومطبخ وحمام. كانت صدمة لنا، ولكن الصدمة الكبرى التي تلقيتها وقتها –وكان عمري آنذاك اثنين وعشرين سنة –أن المنزل عامر بالأشباح والأرواح الطيبة وغير الطيبة، لم أكن أعرف قدرتي آنذاك على التصدي لهم، لذا لم أترك قراءة القرآن والاستعاذة، واللجوء إلى الله ليمدني بالقوة اللازمة لذلك.
وفي أول مرة دخلت شرفة المنزل لنشر الغسيل الخاص بنا، كنت أرتدي حجابي، رأيته؛ كان شاب يبدو أنه في الثلاثينيات من عمره، علمت بعد ذلك أنه يبدو أكبر من عمره لما لاقاه في حياته، رأيته وتظاهرت أني لم أره، ولكنه رآني وما لبث أن طرق باب بيتنا لنتزوج. لقد كان توفيق زوجي ووالد ابنتي الوحيدة آمال.
عندما رأيته صدفة وأنا أنظر لأسفل لأرى إن كان أحد من الجيران ينشر غسيل له، ولم أجد فعاودت النظر لمكاني، وهنا وقع نظري عليه، أبيض البشرة وله عيون تجذب من ينظر له، شعرت به يسرق قلبي مني، تعلقت به، ولا أعلم لماذا دعوت الله أن يكون لي. سرى حبه في دمي، لم أعلم ما الذي حدث ولكني أحببته.
بعد أن أنهيت مهامي المنزلية مع والدتي دخلت غرفتي لأنام، وعندما أغلقت باب الغرفة رأيت يوسف، لم أكن أعرف من هو وقتها لذا كان لابد لي من سؤاله عن هويته، وعرفت منه أنه جدي وحكى لي حكايته كاملة، ولكنه في هذه المرة لم يذكر لي أن توفيق هو حفيد إسماعيل، ولكنه قال لي أني قوية ولابد أن أكون بالقوة التي تعينني على تحمل هذه الأشباح البغيضة، وأن أتمسك بقربي من ربي ولا أبعد عنه.
بعد مرور أسبوع على ملاحظتي لتوفيق ووقوعي في حبي وشوقي له، وجدته يطرق باب بيتنا يطلب يدي، وسأل عنه والدي وتأكد من حسن خلقه وسيرته الحسنة في المنطقة وفي عمله، ولكنني لاحظت دائما أنه لا يأتي منفردا، وجدته يأتي مع سيدة ورجلين، لم أكن أعرف وقتها من هم ولم أعلق أو أظهر أني أراهم لأن والدي لا يعرفان هذه القدرة؛ لذا تظاهرت أني لا أرى شيئا، وتم الزواج خلال شهر واحد، انتقلت من شقة والدي لشقة توفيق –في العمارة المقابلة لعمارتنا.
ما لفت نظري وقتها أنه بمجرد زيارة توفيق الثانية لنا مع أهله الذين تعرفت عليهم –فيما بعد –طلب مني أن أعد له الشاي وطلب من أبي أن يأتي له بمصحف ويصليان سويا، وبعدها لم أجد أية أرواح غير طيبة في الشقة. وعلمت أن توفيق يرى مثلي الأرواح والأشباح، ولكني آثرت الصمت وعدم الخوض في تلك المواضيع حتى يشاء الله. وقبل الزواج كانت الزيارة الثانية والأخيرة من يوسف لي حكى لي خلالها أن إسماعيل هو جد يوسف وأن ابنتي التي سأنجبها ستكون وحيدتي، وطلب مني أن أكون قوية بما يكفي للحفاظ على ابنتي وزوجي، كما أوصاني بعدم الحديث عن قدراتي تلك مع توفيق حتى يأتي الوقت المعلوم لذلك الحديث. وامتثلت لكلام جدي يوسف، ولكني لم أصدق أنه علم أني لن أنجب سوى ابنه وحيدة.




السبت، 5 ديسمبر 2015

عقيلة -الفصل الثالث عشر (أطياف من الماضي)

عندما رأى يوسف الصبي لم يكن يتوقع أن يكون لطفل هذه الطبيعة، لقد عرف عنه الطفل كل شيء منذ أول وهلة رآه فيها، لم يتكلم ولكن طلب الانفراد بخاله ليتحدث معه، كشف الصبي لخاله حقيقة الشيخ وكفره وخدمته لإبليس اللعين.
لم يصدق إبراهيم كلام إسماعيل حتى ذهب مرة أخرى للغرفة المتواجد بها يوسف وسمع يوسف يتحدث مع أشخاص كثر لم يستطع رؤية وجودهم في المكان، مما أكد له صدق كلام إسماعيل ولكن ما العمل، لم يستطع أن يفكر حتى انقلب حال البيت، وامسكت النيران بكل شيء في المنزل ووجد يوسف خدامه وشياطينه يحترقون كلما أراد الاستحواذ على الصبي.
لم يتوقع يوسف ذلك أبدا، كان يريد الاستحواذ على إسماعيل لنفسه ليساعده ويكون ساعده الأيمن، مع بعض الشك الذي ساوره حول إمكانيات الصبي، التي يمكن أن يكون خدامه قد بالغوا في تقديرها، كان يعلم أنه قادر على أن يسيطر على الفتى. ولكن الحقيقة التي أيقن يوسف أنه أغفلها، لم يتوقع أبدا أن تكون معركته مع ملائكة وحراس إسماعيل، لم يتوقع أن يكون إسماعيل من الذين قال الله عنهم في سورة الحج "إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)" لقد احتمى إسماعيل وإبراهيم بالله، ولم يستعن أي منهم بغير الله، فاحترقت شياطين يوسف واحد تلو الآخر، حتى الجان احترقوا، وجد يوسف أن هذه المعركة ستنتهي حتما بفوز إسماعيل لذا هرب وفر، وظل يجري حتى خرج من القصر، وأمر ما تبقى من خدامه أن يذهب به للقصر في الحال.
كان يريد أن يلتقي بملكه وسيده، ليعلم منه كيف يتغلب على ذلك الصبي، وكذا كان يملأه حقد كبير على إبراهيم وشمس، أراد أن يقتلهما أثناء سيطرته واستحواذه على إسماعيل، ولكن باءت محاولاته بالفشل. كان يرى أن ذنب هؤلاء أن خديجة خالتهم، ولو كانت أمهم على قيد الحياة لانتقم منها هي الأخرى، ولكنه لعن إبراهيم ونيغار زوجته بألا يكون لهما من الذرية غير ابنتهما خديجة التي سميت على اسم خالة إبراهيم.
كان يعلم أن نيغار حتما ستأتي إليه طلبا للدعم والمساعدة، طلبا أن يكون لها من الأولاد غير خديجة، وأن تعلم لما يسقط حملها وحمل جواري إبراهيم كلما حملت إحداهن. لم تكن نيغار تعلم أن ذلك هو مس من يوسف لهم عقابا على قرابتهم لطليقته ووالدها الذي هددهم بفضح أمره. وعندما ذهبت إليه كان يعلم أن إيمانها لم يكن بقوة إيمان زوجها أو ابن أخيها؛ لذا كانت مدخله للسيطرة على إسماعيل.
لقد قدم لها سحرا قال لها أنه ليساعدها على الحمل، فشربته كله، ولكن حقيقة الأمر كان ما شربته هو سحر ومس لجان قوي يجعلها تمرض ولكي يخرجه منها إسماعيل لابد ان يصاب هو بأذاه. لن يخرج هذا الجان إلا ليلبس جسد إسماعيل وهذا هو ما يريده، ثم يقدم إسماعيل قربانا لسيده.
سنوات طويلة كان يمتص فيها يوسف قوى إسماعيل ويحاول معه كي يستحوذ عليه، ولكن قوة إيمان إسماعيل لم يجد مثلها، كان يقاومه بكل قوة، وكان يوسف يزداد رغبة في الانتقام، حتى وجد ابن خديجة وحاول أن يؤذيه ولكن الولد كان مؤمنا شان عائلته، كان الله هو حسبه ووكيله لم يستطع يوسف أن يؤذيه ولكنه اكتشف شيء آخر لم يقوله له خدامه، ذلك الولد هو ولده، علم ذلك بعد أن توفى ولده وهو في طريقه للسفر لبلاد الشام.
لم يستطع أن ينقذه أو يؤذيه كان لديه من الملائكة ما يكفيه لحفظه وحمايته، ولكن الندم اعتصر قلبه، هو من كان يدفعه للسفر والبعد، هو من حاول قتله أكثر من مرة، كيف لم يعرف ذلك. لقد تربى ولده مع شمس وإبراهيم وكلا منهما أحسن إليه واهتم لأمره. ولأول مرة منذ سلك يوسف ذلك الدرب يسأل نفسه لماذا عصيت ربي لماذا أفعل كل ذلك، رغم معرفتي بكل شيء، أخفى عليّ خدامي بأمر من سيدهم أمر ولدي، ماذا أفعل يا ولدي كي ألحق بك، وهنا تذكر عهده القديم، لذا كان عليه أن يأمر خدمه من الجان والشياطين الذهاب لإسماعيل وخدمته وتنفيذ أوامره.
كان يعلم مدى إيمان إسماعيل، كان يعلم أنه سيفك كل باطل قام به هو؛ لذا بعد أن تركه خدمه نطق بالشهادة ليعود في دين الله مرة أخرى، ودخل واغتسل وقام ليصلي، كان خائفا يعلم سلفا مصيره، ولكن الفرق أنه راض بذلك ليموت جزاءً له على ما اقترف من ذنوب، ولكن يجب أن يتوب ويعود لدينه ويرتد إليه رشده، ماذا دهاه ليفعل ذلك، كم علم من السحرة، كم قدم من القرابين، فليسامحه الله على ما اقترف، ومات يوسف بعد فترة؛ حيث اختفى تماما. وفك إسماعيل السحر والأعمال والمس، وحتى توفى الله إسماعيل لم يكن يعلم لماذا فعل يوسف ذلك، بل إنه لم يكن يعرف حتى أن اسمه يوسف.




الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

عقيلة -الفصل الثاني عشر (أطياف من الماضي)


بعد ما سمعته خديجة وصل لها خبر سيء جدا، لقد توفت أختها وتركت طفلين، شمس وإبراهيم طفلا أختها من زوجها خليل. كان لابد لها من الذهاب لقصر والدها لأداء واجب العزاء ومقابلة المعزيات، وبعد انتهاء أيام العزاء قصت خديجة على والدها ما علمته من تصرفات زوجها وما سمعته من حديثه. كان ذلك كافيا لكي يطلب والدها من يوسف أن يطلقها وإلا يخبر الناس أجمعين بكل شيء ولا حرج عليه فيما سيفعل. خاف يوسف من تهديد والد خديجة له لذا طلقها وتركها، ولم يهتم بتقصي أخبارها، ولم تلبث خديجة بعد طلاقها أن تعرف أنها تحمل في أحشائها طفلا من يوسف، إلا أنها أبت أن تخبره؛ فهو كافر ولا يحق له أن يتخذ من ولدها ولدا له.
ولدت خديجة، وبعد ولادتها تزوجت من أحد الضباط، زميل الضابط خليل زوج أختها –رحمها الله –وسافرت مع ولدها للسودان عندما أرسل ليخدم هناك. ولم يتزوج خليل من أخرى واكتفى بجواريه، وكبر الأطفال، ولم يدر يوسف أن له ابنا من خديجة زوجته، لم يرى أبناء أخت خديجة شمس وإبراهيم حتى زواج شمس من زوجها عثمان، وكان ابنه قد أصبح عمره في الخامسة عشر من عمره، أي يصغر عام واحد عن عمر شمس تقريبا.
كان زوج شمس متزوج من أخرى، ولكن لحظ شمس –تلك الفتاة الرقيقة التي افتقدت كثيرا حنان والدتها –أن توفت الزوجة الأخرى لزوجها في نفس يوم زفافها، وبعد زواجها ما لبثت أن حملت في طفلها الوحيد عثمان.
انقطعت أخبار يوسف عن خديجة وانقطعت أخبارها عنه منذ طلاقهما، ولم يكلف يوسف نفسه عناء السؤال عنها أو تقصي أخبارها، كان يخاف من تهديد والدها له، وكان صيته قد ذاع في مجال علاج السحر والمس. تزوج من أخريات ولم ينجب، حتى قال له خدمه لقد ظهر الصبي المنشود، سيأتي لك خاله لتراه وتعرف ما به، لذا توخى الحذر معه في الحديث وفي التعامل، إنه مكشوف عنه الحجاب هو ووالده، كما أن عائلة والده محصنة بقبيلة من الجان المسلم تحميهم منا ومن الشياطين؛ هو لم يتل العهد بعد ليحميه جان والده، كما أن والده توفى.
ظهر أحد خدام يوسف لإبراهيم ليدله على يوسف وعلى صيته في مجال السحر والمس، وظهر له منهم الكثير لكي يذهب إليه ويخاف من قدرات إسماعيل، وتحثه على التأكد من عدم مس ولد أخته من الجان أو الشياطين. وبالفعل توصل إبراهيم ليوسف، عرف يوسف منذ الوهلة الأولى أن إبراهيم ابن أخت خديجة طليقته، فسيطرت عليه الرغبة في الثأر من تلك العائلة. وكان على يوسف تنفيذ طلب سيده في التحضر للقاء إدريس والقضاء عليه، وكان يوسف يريد أن يتأكد أن إسماعيل بالفعل كما قيل له عنه، وتساءل في نفسه هل سيستطيع الاستفادة منه، ودارت العديد من الأسئلة بخلده حتى وجد نفسه أمام الصبي.



الاثنين، 30 نوفمبر 2015

عقيلة -الفصل الحادي عشر (أطياف من الماضي)

انتهى اللقاء بين إبليس ويوسف، ووجد نفسه يوسف في مكتبه مرة أخرى، لا يعرف ما إذا كان ما رآه حقيقة أم حلم، فقرر أن يجرب ليعرف ذلك، فطلب كما علمه سيده أن يظهر له أحد خدمه، فظهر له أحد الجان، اطمأن يوسف أن ما رآه حقيقة وأنه لم يكن يحلم، طلب من الجان الذي ظهر له تقصي أحوال الجواري والقصر كله، علم عنهم كل شيء، ثم طلب منه تقصي أحوال عروسه وأهلها، فكان له ذلك.
ظل يوسف عاكفا في غرفته يفكر كيف يصل لذلك الصبي الذي قال عنه الملك، فسمع من يقول له: "لا شأن لك به الآن، هو لم يولد بعد، اهتم أنت بما أنت موكل به، تكلم مع والدك ووالدتك واكشف لهم أسرارهم وتنبأ لهم بما سيحدث، لابد أن يصدق الجميع أنك صاحب كرامات". وانتهى الصوت وبدأ يوسف يفكر كيف يبدأ في ذلك؟ حتى وجد الفرصة سانحة أمامه والده سيسافر في بعثة لأوروبا لمرافقة أحد البعثات هناك، عندما اجتمع يوسف ووالده وأخيه على مائدة الطعام، قال لوالده:
يوسف: والدي سيأتي لك رسول من الأزهر يقول لك أنك ستسافر في مرافقة أحد البعثات لأوروبا فلا تذهب.
والده: ماذا تقول يا ولدي؟ من قال لك ذلك الكلام
لم يكد والد يوسف يكمل جملته حتى وجد أحد الخدم يقترب منه ويقول له أن هناك رسول قادم من الأزهر ويريده في أمر هام. عندما عاد الأب من مقابلة الرسول نظر لولده مستغربا
والد يوسف: كيف عرفت يا ولدي أن هناك رسول سيأتيني؟
يوسف: شعرت بذلك ولا أدري كيف؟ ولكن لماذا لم ترفض السفر كما طلبت منك؟
نظر الأب لولده مستغربا: كيف عرفت ردي يا ولدي، أراك لم تبرح مكانك، ولم تأت متقصيًا لخبر؟
يوسف: عرفت ردك كما عرفت أمر سفرك.
ونظر يوسف لأخيه إبراهيم: لا تسافر يا إبراهيم، في سفرك هلاكك، لا تسافر
استغرب إبراهيم ونظر له: أي سفر تتحدث عنه، وأي هلاك
يوسف: ستسافر في رحلة تجارة لبلاد الشام وستضل الطريق وتموت هناك فلا جثمان لك نشيعه ولا رفات ندفنها
كان علي وإبراهيم في حالة من الذهول من قدرة ولدهم المفاجئة على كشف الحجاب، ولكن لم ينفذ أي منهما ما طلبه يوسف، فلقى كل منهما حتفه سريعا، بعد زواج يوسف بفترة وجيزة. عندما قال لهم يوسف أنه سيترك الأزهر والعمل به أخبرهم أنه سيتفرغ لعلاج المسحورين والممسوسين من الجان، لأنه اكتشف للتو قدرته على ذلك، لم يعارضه أحد في قراره وبالفعل بدأ في تنفيذ ذلك في المبنى الخاص بالمضيفة ولم يعرف أحد ماذا يفعل يوسف حتى تزوج.
بعد زواج يوسف بخديجة، لقى والده وأخوه حتفهما، كما قال يوسف وكان ذلك خبرا لم يكتمه الخدم، وهو ما أراد له يوسف أن يحدث، ثم شرع يظهر قدراته أمام خدمه، وبدأت طلبات العلاج من المس والسحر تنهال على يوسف وأصبحت المضيفة ملاذه لأداء عمله.
بعد وفاة والد يوسف كان علي يوسف أن يعتق جواري والده، أو يتركهن دون أن يتحولن لجوار له، ولكنه اتخذ من كافة الجوار جوار له وهو ما أثار خديجة، كيف ينتهك ما حرمه الله، كما لاحظت أنه لا يغتسل من جنابة، وإن كان دائما ما يهتم بمظهره ورائحته، كما لاحظت عدم صلاته. استغربت خديجة ذلك الوضع الذي وجدته مستمرا ما يزيد عن الشهر، كانت شهرته ذاعت في مجال فك الأعمال ويأتيه الناس من كل حدب وصوب، وسمي بالشيخ يوسف، وأثناء مراقبة خديجة لزوجها وجدته يغلق عليه غرفة مكتبه وسمعت حواراته مع جانه هناك. كان ما سمعته إيذانا لها بالرحيل والذهاب لوالدها وطلب الطلاق من زوجها لقد تزوجت من ساحر.



الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...