السبت، 5 سبتمبر 2015

الفصل السادس عشر (لست عاهرة)


تابع المحققون أعمالهم في قضية عادل، بعد السؤال عن عادل وسلوكه ونشاطه، تبين أنه محب للنساء ومتعدد العلاقات النسائية، له علاقات كثيرة مع باغيات وفتيات صغيرة ومتزوجات. وهذا النوع من الرجال يكثر من يريد قتله والانتقام منه.
بدأ رجال الشرطة بالبحث في قائمة العلاقات النسائية ومكالمات عادل في يوم قتله واليوم السابق له، تبين من التحريات أنه في ذلك اليوم أجرى مكالمة مع زوجة أحد العاملين بالشركة، ولم تكن تعمل بها. بعد التحقيقات التي أجرتها النيابة والضغوط التي تعرضت لها النيابة من بعض قيادات الحزب الوطني والوزراء وأعضاء مجلس الشعب تم الضغط على الموظف وزوجته وتضييق الخناق عليهما للاعتراف بما حدث.
اعترفت هبة زوجة حسين أمين المخازن، هبة، خريجة كلية زراعة القاهرة، تعرفت هناك على عادل وحملت منه سفاحا، سافرت له قريته لتطلب منه الزواج إلا أنه أنكر أنه يعرفها وأنكر صلته بحملها، بعد ذلك سافرت مرة أخرى للقاهرة وهي تشعر بخيبة الأمل. لم تعرف أسرتها شيء عن حملها وعلاقتها مع عادل، تقدم لها حسين في ذلك الوقت كان قد حصل على بكالوريوس التجارة ومقدم على عقد عمل في الخليج، بالطبع وافقت الأسرة على الزواج فورا، وتمت إجراءات الزواج، وفي ذلك الوقت قامت هبة بإجراء عملية لتعود بها بكرا ولم تجهض نفسها لم تحتاج لعناء الإجهاض سينسب ما بطنها لزوجها ولن يعرف شيء.
وبالفعل تم الزواج ولم يعلم حسين أن ما تحمله رحم زوجته ليس من صلبه، أنجبت له ولدا، أسماه عادل نزولا على رغبة هبة. بعد فترة من السفر أنهى حسين عقد عمله في الخليج وعاد مرة أخرى لمصر والعمل بها، في ذلك الوقت كان عادل القناوي يفتتح شركته في القاهرة لتسويق منتجات مصنعه الجديد، وكان يحتاج موظف للإشراف على المخازن والعهدة وتقدم حسين للوظيفة بسبب الراتب الخاص بها، وقبل فعلا بها.
استغرب حسين أن زوجته لم تحمل رغم مرور سنوات طويلة على حملها الأول، وطلب منها أن تحمل مرة أخرى، ذهبت للكشف وعلمت ألا عيب بها، ولكن ذلك يعني أن حسين لا ينجب وهي كارثة أن عرف ذلك الأمر، لذا قالت لزوجها أنها تعاني من مشاكل نسائية تمنعها من الحمل مرة أخرى وأنها تعالج حتى يتم الحمل.
لم تكن هبة تعلم أن حسين يعمل في شركة عادل، حتى ذهبت له ذات يوم في العمل، بعد أن ذهبت لأحد الدجالين المشهور عنهم موضوع الحمل، علمت كيف يتم الحمل عندما وجدته يخيرها لحدوث الحمل ما بين علاقة غير مباشرة أو علاقة مباشره معه واختارت العلاقة المباشرة وحملت بالفعل.
ذهبت هبة لزوجها في عمله –بعد تأكدها من الحمل –لتبشره بخبر الحمل، وهناك وجدت عادل، لقد عرفته ولكنه لم يعرفها، ذكرته بنفسها، حاول التهرب منها، قالت له أنها تزوجت وأنها أتت الشركة لزيارة زوجها، وسألته عن أحواله وحصلت على رقم هاتفه وعنوان شقته. لم تمانع هبة أبدا أن تزوره أو حتى تخون زوجها معه، حتى يكون لها أطفالا كثيرة، ولكن الذي حدث لم تتوقعه هبة، لقد ذهب زوجها للطبيب للشكوى من بعض المشاكل، خاصة وهو يعلم أنه له فترة لا يرضي رغبة زوجته فيه ولا ترضى معه حتى وإن تظاهرت بعكس ذلك، ذهب للكشف وإجراء بعض التحاليل اكتشف منها أنه لا يستطيع الانجاب، وكانت طامة على رأسه.
لم يقل شيئا لهبة التي قالت له أنها حامل للمرة الثانية، إنها تخونه منذ أول يوم زواج، راقبها كثيرا وراقب مكالمتها ووجد رقم عادل ووجدها تتردد على شقته في القاهرة كلما نزل إليها، توقع أن الراتب الكبير ليس مقابل خدماته وأمانته وإنما مقابل زوجته، قرر أن يتخلص من عادل وهبة وأن يقتلهما دون أن يعرف أحد، ويتخلص من ابن هبة الذي هداه تفكيره أنه قد يكون ابن عادل، ذهب لمنزل عادل في موعد نزوله للعمل وأطلق عليه الرصاص وتركه عندما ظن أنه مات، وكان يرتب لقتل هبة وابنها بالبوتاجاز ولكن الحظ لم يحالفه، لقد خدرهما وفتح الأنبوبة وتركهما وخرج ليقضي الوقت مع أهله ليعود متأخرا ويكون قضاء الله نفذ فيهما، ولكن من سوء حظه أن الأنبوبة كانت تحتاج لتغيير لانتهاء البوتاجاز منها، وكتب لهبة وولدها الحياة.
وعندما توصلت تحريات المباحث لحسين وهبة كان حسين يتشاجر معها وكاد أن يغرس السكين في قلبها لولا دخول الشرطة والقبض عليهما.
خرجت هبة من القضية، وحكم على حسين بالسجن لمدة خمسة عشر عاما، ورفع حسين من محبسه دعوى اسقاط نسب لما تحمله هبة في أحشائها وولدها الذي ولدته، وتم عمل اختبار DNA وطلب عادل أيضا إجرائه حتى لا تقاضيه هبة لإثبات نسب ولدها له، بعد ما ألمت بها الفضيحة، وأثبتت التحاليل بالفعل أن الطفل ليس ابن عادل كما زعمت هبة. لم يهتم أحد بعد ذلك بهبة ومصيرها وما حدث لها، وتأكد عادل أنه بالفعل لم يكن والد الولد، وأن الاحتياطات التي يقوم بها تمنع حدوث أي حمل.



عندما تأكد عادل أن علياء استردت وعيها، وأفاقت تماما، قرر أن يختلق أي سبب للخروج ليتركها تكتب ما شعرت به، ليحلا سويا المشكلة، فقال لها أنه يريد أن يشتري له ولها بعض الأشياء من المحال الموجودة داخل الفندق وسألها عما تريد، ثم نزل جلس بعض الوقت في حديقة الفندق، ثم زار المحال الموجودة وقرر أن يشتري هدية لعلياء، كان يعلم أن أحب الهدايا لها الورد والكتب، لا يوجد هنا مكتبات للكتب لذا اشترى لها الورد الذي تحبه، انتقى لها الأزهار التي يعرف أنها تحبها وجمعها لها في باقة ورد يصعد بها إليها.
عندما صعد كانت علياء بالفعل، انتهت من تدوين ما شعرت به، وشردت في لا شيء ولم تشعر بدخول عادل، وجد عادل الدفتر مفتوح أمامها وهي شاردة، تظاهر أنه لم يرى الدفتر ولم يرها ونادي عليها، فوجئت عندما أهدى لها باقة الورد، احتضنها وطلب منها أن تدخل لتغتسل ثم ينزلا سويا للمطعم لتناول بعض الطعام.
كانت تلك حجة من عادل ليتكمن من قراءة ما كتبته، قرأه سريعا، وعلم أن رفضها هذه المرة لم يكن عنادا منها وإنما ذكريات بعيدة ظهرت، لقد ظهر لها الوحش مرة أخرى، كان يرهف السمع كي لا تلاحظ أنه لاحظ مذكراتها وعندما وجد صوت المياه توقف، وأعاد الدفتر كما كان، وجلس في الغرفة موليا ظهره للشرفة.
خرجت علياء وتذكرت أنها تركت مذكراتها في الشرفة، واطمأنت عندما وجدت عادل يجلس في انتظارها موليا ظهره للشرفة أي أنه لم ير شيئا، لبست ملابسها ووجد عادل أن يفسح لها مجالا لإخفاء مذكراتها وهو يراقبها، وبالفعل دخل الحمام متظاهرا أنه هناك وراقبها تدخل الشرفة وتخرج وقد أخفت المذكرات في حقيبة يدها، خرج من الحمام ونزلا سويا، أمسك يدها، ولأول مرة يقضيان الوقت سويا. سألها عما وصلت إليه في فصول محو الأمية واستخراج اثبات الشخصية للإناث في القرية، سألها عن كل صغيرة وكبيرة، لأول مرة تركها تتحدث ويسمع منها، عندما صعدا غرفتهما هذه المرة تغلبت هي على الوحش، كانت المرة الأولى التي يشعر فيها عادل بالسعادة بعد ما يفعله، شعرت هي بالسعادة ثم ظهر لها الوحش مرة أخرى، كان عادل في الحمام يغتسل، خرج على صوتها تبكي بشدة وتتوسل لشخص ما أن يبتعد عنها، ضمها عادل ولطمها بخفة على وجنتيها حتى أفاقت مما ألم بها.
قضى هذه الليلة مستيقظا بجانبها، لم يستطع النوم، كلما نامت قامت فزعة تصرخ بكلمة الوحش. وجد عادل أنه من الضروري أن تعرض على الطبيب لكي تستطيع النوم. ضمها في صدره وظل يقرأ عليها القرآن حتى استيقظت في اليوم التالي لا تدري شيئا عما كان منها بالأمس.
مر شهر كامل عليهما في القاهرة، في كل مرة يقترب منها عادل تتركه ويحدث ما يحدث ولا تتذكر من الصراخ والخوف أي شيء، عادا لقنا بعد انتهاء التحقيقات وتحويل الجاني للقضاء، تعلم عادل الدرس جيدا، علاقاته العابرة كادت تتسبب في مقتله وتشويه سمعته، لقد نسبت له هبة في التحقيقات ولدها عادل وهو يعلم أنه ليس والده، طلب إجراء تحليل DNA وكذا فعل زوجها، ينتظر نتيجة التحليل ويخاف أن يكون ولده فعلا.
تحدث عادل مع مأمون فيما ينتاب علياء، يسأله النصح فيما يفعل، قال له مأمون أن الحل في الطبيب النفسي، اعترض عادل بشدة على موضوع الطبيب، وطمأنه مأمون أنه يعرف طبيبة شابة تخصصها الطب النفسي، وأنها تدرس في جامعة قنا، وأنها محترمة وثقة.
وافق عادل على ذلك الحل، كانت هناك جلسات مطولة بين علياء والطبيبة، لم يكن أحد من الدوّار يعلم أنها طبيبة سوى عادل ومأمون ومحمد. فرح محمد جدا بالتحول الذي حدث بين علياء وعادل وكذا مأمون وعبد الخالق، لقد ذابت جبال الثلج بينهما، وتغير عادل، أخيرا نجحت علياء فيما كانت تسعى إليه، ولكنها تعبت من جراء ذلك ولكن الهدف تم الوصول له أخيرا.
استمر علاج علياء حوالي الشهرين، كانت تعالج فيه هي وعادل، وخلال فترة العلاج علمت علياء بحملها، كان خبر حملها فرحة ملأت المكان كله، ولكن عبد الخالق خاف عليها أن تموت في ولادتها كما ماتت أمها، خاف أن يحرم منها، تذكر احسان وكم كانت ستفرح بابنتها اليوم.



الجمعة، 4 سبتمبر 2015

الفصل الخامس عشر (لست عاهرة)


استقرت حالة عادل الصحية، ولكنه سيظل فترة طويلة في المستشفى بسبب الرعاية الطبية التي يحتاج إليها؛ لذا طلب من عبد الخالق ومحمد ومأمون السفر لرعاية مصالحهم في القرية، والاعتناء بفردوس فلا يجب أن تظل فترة طويلة وحيدة هكذا، ولكنه طلب أن تظل علياء معه ولا تسافر. لم يعترض أحد؛ فهي زوجته والواجب يحتم عليها البقاء معه، ومراعاته حتى يشفى تماما.
جلس عادل مع نفسه يعاتبها ويحاول أن يعرف سبب تعذيبه للإنسانة الوحيدة التي أحبها، لقد أراد أن يعاقبها ولكنه تمادى في العقاب، حتى نسي أنه يعاقبها وظن أن ذلك هو ما يجب أن يكون.
فكر كثيرا في سبب ما يعانيه من كره شديد للنساء، ولكنه فهم بعد أن استعرض حياته كلها أمام عينيه أنه كره منهن ضعفهن وسلبيتهن التي وجد أمه عليها، ثم ما مر به من تجارب نسائية في سن مبكرة جعلته ينتقم في كل فتاة من ضعفها وسلبيتها، وأن سبب حبه وكرهه لعلياء هو تحديها له، أنها كانت النموذج الذي يرغب أن يجد أمه عليه، اختلافها جعله في تمزق وخلاف بين نصف الذي يكره الضعف والسلبية والنصف الآخر الذي يقدسها ما دامت تخدم العادات والتقاليد، وكانت علياء هي الضحية.
أخيرا، وبعد الحادث الذي مر به، اكتشف مشكلته وحاول معالجتها، ولكنه لم يعرف كيف يبدأ ذلك، خرج عادل من المستشفى بعد قضائه ما يقارب الشهر، ولكنه لم يستطع السفر لقنا لاستمرار تعبه وكذا استمرار التحقيق في الحادثة حيث لم يتم العثور على الجاني بعد. وجد عادل بقائه هو علياء في القاهرة بعيدا عن كل الناس فرصة جيدة كي يكتشفا نفسيهما، أن يتقاربان وأن يعتذر لها عما سببه من ألم وإحباط وخيبة أمل.
حجز عادل في فندق سياحي قرب الأهرامات، يعلم عادل مدى حب علياء للآثار، لم ينس أبدا حتى الآن حبها لآثار البلد. كانت الفندق كبير اختار عادل غرفة تطل على الأهرام وحديقة الفندق. يعرف أن ذلك المشهد هو ما يسعد علياء.
لم تنس علياء أن تضع مذكراتها معها وهي مسافرة لعادل، كانت معها لم تفارقها، كتبت فيها وهي في المستشفى عندما كان ينام عادل، تجلس في الشرفة وتدون الأحداث التي مرت بها في ذلك. فرحت علياء بالمنظر التي تطل عليه غرفتهما، وعندما نام عادل، دخلت الشرفة وجلست تحتسي الشاي الذي تحبه وتكتب أحداث اليوم الذي مر بها، نامت علياء في الشرفة وهي تكتب لم تشعر بالوقت حتى نامت على الكرسي، استيقظ عادل وجدها نائمة على الكرسي في الشرفة، ظن أنها لا تريد أن تشاركه فراشه، ولم يعرف هل يوقظها أم يتركها نائمة، لفت نظره المذكرات التي وجدها أمامه مفتوحة حيث كانت تكتب في تلك الصفحة: "لقد تغير عادل في معاملته لي خلال فترة وجوده في المستشفى، حتى نظراته تغيرت، وجدت نظرات أعرفها كنت أجدها منه عندما كنت طفلة صغيرة وحتى وصلت للمرحلة الإعدادية. ترى هل عاد حبي لقلبه مرة أخرى، أم أنه يدبر لي ما يهينني به مرة أخرى؟ هل كان اختيار هذه الغرفة وهذا المنظر وهذا المكان لعلمه أني أحبها أم أنه أراد أن يبتعد قدر إمكانه عن المدينة وصخبها؟ لم أعد أعرف، لقد تغير عادل وحسب، أردت أن أعانقه عندما اختار هذا المنظر، ولكنني خفت منه ومن رد فعله، انتظرت منه أن يعانقني، أو حتى يطلب مني الجلوس جانبه على فراشه، لكنه لم يفعل، سأتركه ولأكمل كتابة أحداث يومي".
كانت الكلمات التي قرأها لتوه من مذكرات علياء بمثابة تنبيه له لما تنتظره منه علياء، لذا انسحب بهدوء من الشرفة وذهب للفراش وتظاهر أنه استيقظ لتوه ونادى على علياء
عادل: علياااااااااااااااء، علياء أين أنتي؟
استيقظت علياء على صوته، وظنت أنه يعاني من خطب ما، جرت عليه والفزع يملأ قسمات وجهها وعينيها ما إن رآها عادل على هذا الحال قام من مكانه واحتضنها وطمأنها، ولأول مرة تبكي علياء على كتفه وتطلق لعيونها الحق في البكاء أمامه، فأمسك بوجهها ونظر في عينيها وقال لها "سامحيني، لقد أحبتك ولكن عنادك هو سبب ما وصلنا إليه، لأول مرة أراكي لا تهربين مني وتشعري بالاطمئنان وأنت في أحضاني." انتبهت علياء آنذاك أنها بالفعل شعرت لأول مرة بالأمان لكي تبكي على صدره ولكنها خافت من ذلك الشعور لما خبرته من عادل وتصرفاته، فجفلت وحاولت الخروج من حضنه
عادل: لا تهربي، لا يجب أن نهرب من بعضنا بعد الآن يا علياء، أنا أحبك وأنت أيضا تفعلين، لماذا العناد والهروب؟
علياء (باكية تشعر بالحب والخوف والأمان من عادل): أخاف منك يا عادل، أخاف أن يكون ذلك سبب جديد لتهينني
ضمها عادل في رقة لحضنه وأمسك وجهها بكلتا يديه ونظر في عينيها: أعدك أن أتغير، ولكن عليك أن تساعديني.
لأول مرة تشعر في كلام عادل الحب، ولا تعلم ما سبب شعورها بذلك، بل إنها تخاف من ذلك الشعور، لأول مرة منذ تزوجا منذ اثني عشرة سنة، وهما أزواج ولكنهما أعداء، تشعر أنه يخبئ لها خنجرا ليطعنها به كلما سنحت له الفرصة لذلك. لأول مرة تشعر أنها تريد أن تترك لقلبها العنان لتعيش قصة الحب التي طالما حلمت أن تعيشها، كثيرا ما كانت تحلم به يقول لها كلمة أحبك، وها هو يقولها لها مرتين خلال شهر واحد، منذ الحادثة مضى عليهما أطول وقت قضياه سويا.
تركت نفسها لعادل، أزاح عنها غطاء شعرها، واحتضنها بقوة أحبتها، وبدأت مراسم حب كتب لها أن تولد بعد زواج دام اثني عشرة سنة، كانت علياء تستجيب لكل فعل قام به عادل، إشارة منها أن أكمل، حتى وصلت لآخر مرحلة أن يهم بها عادل، وجدها أغمضت عينيها وتغيرت ملامحها وظلت تقاومه وتبعده عنها. ابتعد عادل، لقد شعر أن هناك شيء على غير ما يرام، لقد تغيرت علياء، لم تعد هي التي يعرفها، بعد أن تركها ولم يكمل، وجدها تنظر بعينين زائغتين للحجرة وله، تحاول أن تغطي نفسها ولأول مرة بكت بطريقة تذكرها جيدا، كما بكت يوم زواجها.
لم يعرف عادل ماذا يفعل، دخل الشرفة وترك علياء في السرير لتهدأ. وجد مذكراتها مازالت مفتوحة أمامه، انتابه الفضول أن يعرف ماذا تكتب علياء؟ وكيف تراه وترى الجميع "اليوم هو الذكرى الثانية عشر لوالدتي وهو أيضا الذكرى الثالثة لوفاتي" استغرب عادل الجملة، كيف ماتت، ماذا حدث منذ ثلاث سنوات، لم يعرف وهي لم تكتب أكثر من ذلك في ذلك اليوم، حاول أن يذهب قبل ذلك لم يجد، إما أنها لم تكتب قبل ذلك أو أنها تكتب في دفتر آخر انتهى فأكملت في هذا الدفتر، قلب بعد ذلك وجد في نفس اليوم من كل عام ذكرى وفاة والدتها، هو يعلم أن ميلادها ذكرى وفاة أمها، ولكنه استغرب لماذا لم تشر لميلادها وتعبره تاريخ وفاتها، وجد في يوم آخر "لا أعلم لما يعارض عادل دخولي المدرسة الثانوية، لما أصبح بهذه العصبية والحدة في التعامل، لقد تغير كثيرا، أعلم أني أحبه، أحب فيه خوفه عليّ، كنت أشعر به وهو يراقبني ويراقب الخفراء ليطمئن على وصولي المدرسة وسلامتي، أحبه منذ كنت طفلة أراه يضرب من يأخذ لعبتي أو الحلوى مني حتى لو كان خيري أخوه. ما الذي تغير؟ لماذا تغير هكذا." أكمل في الأوراق فوجد اليوم الذي يعرفه جيدا: "اليوم كان أسوأ يوم في حياتي، كرهت فيه نفسي وعادل. ماذا كان يظن نفسه فاعلا بي؟ أهنت عليه، ما هذه النظرة التي كانت تملأ عينيه في ذلك اليوم؟ لقد أعاد إلي عادل صرخات فردوس وصرخاتي يوم قتلتني خديجة، بحجة الختان، يوم تركتني أنتهك وكانت تزغرد مع باقي النساء. لقد قتلني عادل." لقد فهم عادل لما تكتب وفاتها إنه الختان وصرخات فردوس، كأن كلامها ذكره بضعف والدته ووهنها وسلبيتها، أراد أن يخرج نفسه من هذه الدوامة فأكمل يقرأ حتى توقف عند صفحة أخرى: "لم أتوقع من خديجة أن تفعل معي ما فعلت، لقد كشفت عليّ لتتأكد من بكارتي، لتتأكد أن عادل لم يلمسني ولا أحد غيره بعد مرور ما يقارب العام على ما فعله عادل، لماذا الآن، لماذا تتهمني بإغواء عادل؟ هل اتهمني هو بشيء؟ لقد عارض دخولي الجامعة وكان يراقبني رغم أني أذهب مع مأمون كل يوم وأعود، أعلم أنه كان يراقبني، ولكني كنت أكرهه لما فعله بي، ترى هل كان هو من قال لعمتي أني أغويته؟ لا أعرف ولكن خديجة قتلتني مرة أخرى بما فعلته، لم أتحدث عما فعله عادل كي لا أفسد ما بين العائلة من ود، ولكني أخاف أن يكررها، أن يفعلها مرة أخرى، أنه خبيث أخاف منه." كانت كلمات علياء في ذلك اليوم مثل الكابوس، لقد اتهمتها خديجة بما قاله عليها وأرادت أن تتأكد، لقد كان هو السبب فيما فعلته خديجة وفي نقمة علياء عليه رغم حبها له. لقد كان سببا في جرحها دون أن يدري، لم تقل له خديجة أنها فعلت ذلك وأنها كشفت عليها. شعر بالخزي من نفسه ومن تصرفاته وأفعاله. ولكنه أراد أن يكمل ويرى ويعرف علياء لأول مرة، وجد يوميات عادية، حتى وصل لما كتبته عن يوم زفافها وما تلاه: "أنا أكره عادل والعادات والتقاليد وأكره خديجة، أكره الجميع، لقد وافقت على زواجي بعادل لحبي له، أردت أن أغيره، أجعله عادل الذي طالما عرفته، لم أخبر أحدا بالسرقة وافتعلت المشاجرة مع المحاسب، وأخبرت بعدها مأمون ليتصرف، مأمون عاقل وسيخاف على عادل ويحاول إصلاح ما أفسده دون فضيحة، خفت من رد فعل والدي على ما فعله عادل، ولكني ندمت بعد زفافي بعادل أني لم أفعل وألغي هذا الزفاف الذي كان فضيحة على رؤوس الأشهاد، أكان يجب أن أفضح هكذا، لقد أمرنا الله بستر هذه الأمور ولكن العادات والتقاليد –تبا لها من عادات وتقاليد –تقضي بفضح ما أمرنا الله بستره. لم أطق لمسة عادل، بعد ما فعله بي أمام أمه وعمتي، عندما هم بي مرة أخرى كنت أرى أمامي وحش بمعنى الكلمة اختفت من أمامي ملامح عادل وجدت أمامي وحش كاسر وجهه يضم ملامح عادل والطبيبة وخديجة ووالدي والوحوش التي كنت أتخيلها عندما أقرا كتب حكايات ألف ليلة وليلة، فعلا لم أرى عادل وقتها، ولم أرى عادل يوم حاول الاعتداء عليّ في الفندق. لقد استطاع أن يأخذ ما أراد بعد أن أنهكت في فض بكارتي ولكنه لن ينالني ثانية إلا إذا عاد كما كان، عادل الذي أحببته. أعلم أني جرحته بكلامي اليوم، ولكن كان الجرح لرد كرامتي التي أهدرها، لم يعلم حتى الآن أني أعلم بأمر اختلاسه، لن أقول له، لن يراني دون حجابي، لا أعرف كيف سأهرب منه، ولكن لن أكون فردوس أخرى." مرة أخرى وجد عادل أنه السبب فيما وصلت له علياء، ومرة أخرى وضعت يدها على جرحه بكلامها في المذكرات، إنها أمه واستسلامها لعمه وما يقول ولكلامه هو وأخوته من بعد عمه. ترك عادل المذكرات عندما وجد علياء تبكي وصوتها يناديه ويكاد يغشى عليها، أٌقفل دفتر مذكراتها وجرى عليها وضمها إليه.
حاول أن يعيد إليها وعيها كثيرا، حتى نجح أخيرا وأفاقت علياء، وجدت نفسها بدون حجابها ولكن ترتدي ثياب عادية، استغربت وتذكرت أنها لم تكن تلبس تلك الثياب من قبل، آخر ما تذكره هو أن عادل كاد أن يهم بها.
علياء (بعدم فهم): ماذا حدث؟
عادل (بلهفة وخوف حقيقي): لقد كنا على وشك بدء العلاقة وجدتك تبكين وتصرخين ثم أغشى عليك، ألبستك ملابسك وحاولت أن أعيد إليك وعيك، هل أنت بخير؟ ماذا حدث لكي يغشى عليك؟
خافت علياء من عادل، هل يسألها أم أنه يتهمها، فصمتت. أما عادل ففهم أنها لا تعرف حقا ماذا يريد، أراد عادل أن يقترب من قلبها، أراد أن يذيب جبال الثلج في علاقتهما، لقد فهم أنه هو من تسبب لها في كل ما تعاني منه؛ لذا يجب على كل منهما مساعدة الآخر ليجنيا الحب. ضمها عادل له وقال لها همسا في أذنها وهي قرب شفتيه: "أنا أحبك وأخاف عليك، عليك مساعدتي يا علياء، لماذا خفت مني وكنا في حال لا خوف فيها؟"، لم ترد سوى بكلمة خرجت وسط البكاء "رأيت الوحش".

أدرك عادل أن مهمته في القرب من علياء صعبه وتحتاج للوقت، قرر أن يقرأ مذكراتها كلها دون أن تعلم؛ لتكتب ما تشعر به، سيترك لها فرصة لكتابة ما شعرت ليستطيع أن يحل هذه المشكلة، لقد تعلم أن أي محاولة للعنف مع علياء ستقضي عليها تماما وهو يكره ذلك.

الخميس، 3 سبتمبر 2015

الفصل الرابع عشر (لست عاهرة)

سافر الجميع للقاهرة، عندما وصلوا كان عادل في المستشفى، لم يتوف ولكنه أصيب بطلق ناري في الصدر، كاد أن يدخل قلبه مباشرة ولكنه استقر قرب الرئة، ذهبت علياء له مع والدها وأخيها وابن عمها وطلبت أن تظل معه ترعاه. نقلته سيارة الإسعاف التي طلبها أمين الفراش لمستشفى حكومي، لم يعرف أمين كيف يتصرف أين يذهب به ولأي مستشفى.
طلب عبد الخالق نقل عادل من المستشفى الحكومي لمستشفى خاص كبيرة، وبالفعل نقلته عربة الإسعاف، واهتمت الشرطة بالبحث عن الجاني، استخدم عبد الخالق نفوذه، فمنذ أصبح عضوا بمجلس الشعب وعضوا في الحزب الوطني، يفتح أمامه كافة الأبواب المؤصدة وتصبح رغباته أوامر لغيره.
ظلت علياء في غرفة عادل ولم تتركه، ورغم قول الأطباء أنه أجرى العملية وأمامه وقت طويل ليفيق من آثار البنج، وأنه لن يكون قادراً على الكلام، وأن وجودها لا فائدة منه، لم تهتم بما قالوا وأصرت على المكوث بجانبه.
ذهب محمد ومأمون مع عبد الخالق لقسم الشرطة لكي يعرفوا ما حدث تحديدا، وظلت علياء مع عادل، رغم تعبها ورغبتها في النوم بسبب السفر الطويل والخوف والقلق عما أصابه، لم تستطع أن تغلق جفنها وعندما حاولت سمعت صوت عادل يتحدث، لم تتبين ما يقوله، ولكنها حاولت جاهدة الاقتراب منه وسماع ما يقول، وجدت كلمات قصيرة "علياء، أحبك، أنت من أجبرني على أن أفعل ما أفعله، لا تتركيني، علياء" أدركت علياء من هيئة عادل أنه مازال في مرحلة البنج وأنه مازال لا يدري ما يقوله، ولكنها كانت مخطئة في ذلك.
فعندما بدأ عادل يسترد وعيه لم يتوقع أن يجد علياء جانبه، وجدها متعبة باكية، تستجديه أن يعيش ظنا منها أنه لا يشعر بها، وقالت له:
"مازالت أحبك يا عادل، لم يتوقف قلبي عن حبك حتى بعد ما قلته لي، كيف أجعلك تصدق أني لست عاهرة أو ساقطة، لست كالنساء الذين تلقي بهن وتفعل معهن ما تفعل، أخاف الله وأراعي حدوده لأنه موجود ويراني أينما كنت، لا أهل ولا رقابة تجعلني أبتعد عن الحرام، فقط خوفي من الله. كنت أظن أنني كرهتك ولم يعد هناك مكان في قلبي لك، لقد أكثرت من إهانتي رغم عدم إهانتي لك، أهنتني في كل مرة تسافر فيها وتعود وأنت تعرف أنك تحمل بقايا خطاياك على ملابسك جراء مغامراتك العاطفية، لم تكلف نفسك حتى عناء إخفاء ما قمت به، أعلم نظرة استمتاعك بإهانتي، لذلك تظاهرت بعد الاهتمام، تركت لك الغرفة ونمت في غرفة عمتي بعد وفاتها، ولكنك لم تكترث حتى أن تسألني لما تركت غرفتنا. كنت أخدمك بحب بعد الوعكة الصحية التي ألمت بك في أول زواجنا، وكنت تقابل ذلك بالإهانة، وتحملت بسبب حالتك الصحية، أصبحت تعيب عدم حملي رغم مرور فترة طويلة على زواجنا، ولكن هل كنت ستشعر بالسعادة إذا أنا حملت؟؟!! لقد اعتقدت أن حبك ذبل في قلبي ومات، ولكن كل الحب ظهر مرة أخرى حين سمعت صوتك يستنجد بي ويستغيث، لقد اتصلت بي أنا ولم تتصل بغيري، كم شعرت بأهميتي عندك في تلك اللحظة، لم أكن أدري ماذا أفعل، أعانني محمد ووالدي على التفكير والتصرف، لذا لن أتركك حتى تعود لك صحتك، وبعد ذلك لأتحمل منك ما تفعله، أحبك يا عادل ولكنك لا تفهم، أرجوك أن تعيش، أن تتمسك بحياتك، فأنا لا أستطيع أن أتخيل حياتي بدونك حتى وإن كنت تعاملني بهذه القسوة، آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا عادل يا من أحببتك قدر ما كرهتك، ولكن للأسف اكتشفت الآن أني لم أكرهك أبدا". كان عادل يشعر بما حوله؛ شعر بها بجانبه، وسمعها وسمع كل ما قالته هذه المرة. رغم توقعه أنها أول من سيفرح بخبر وفاته، ولكنه فوجئ بوجودها وكلامها له. استمع لكل ما قالته علياء، ولكنه غير قادر على الكلام أو حتى الحركة، كان يرد في كلمات متفرقة لتظنه نائما، كم سعد بكلامها معه وهي تعلم أنه فاقد الوعي، كان يتوقع أن تسبه، تحاول النيل منه، تعترف له بخطيئة ارتكبتها، ولكنها لم تفعل، أعلنت عن حبها له رغم قسوته معها، وكانت تطلب منه أن يعيش حتى وإن لم يتغير معها، فرد عليها بكلماته المقتضبة.
عندما سمعت علياء صوته، لم تستطع أن تحبس دموعها فأطلقت لها العنان، لا أحد في الغرفة ولا أحد يسمعها أو يراها، فرحت لأنه بدأ يتكلم، بدأت تدب فيه الروح ثانية، فرحت لأنه حتى وهو في غائب عن الوعي بسبب المخدر والعملية يذكرها، ويعتذر.
نامت علياء وهي جالسة على الكرسي بجانب فراشه، واستيقظت فزعة عندما وجدته يحاول إيقاظها، "عادل، ءأنت بخير، أتشعر بخطب ما" عندما وجدها جزعت كذلك أمسك على يديها أن اطمئني، وحاول أن يبتسم، حتى هدأت لتعرف ما يريد، ضغطت على زر استدعاء الممرضات وجاءت الممرضة لتطمئن عليه وعندما أفاق ذهبت الممرضة لتستدعي الطبيب للكشف عليه والاطمئنان على صحته. اتصلت علياء بوالدها لتطمئنه وتقول له أن عادل أفاق وتسأله عما توصل إليه، وقال لها أنه هو محمد ومأمون في الطريق للمستشفى.
عندما وجدت علياء أن عادل استرد وعيه ولكنه مازال غير قادر على الحركة أو الكلام، لم تعد تتحدث إليه، في حبها له، عادت لما كانت عليه قبل الحادثة، وجه بلا تعبير، فهم عادل أنه هو من تسبب في ذلك الأمر، لو كان عاملها بالحسنى، وحاول أن يتقرب إليها لكانوا في أفضل حال، ولكنه متعب ولا يستطيع أي شيء الآن.
جاء عبد الخالق ومحمد ومأمون واطمئنوا على عادل، وطلبت الشرطة التحدث مع عادل للوصول للجاني.
لم ير عادل وجه الجاني، لقد كان يخفي وجهه بقناع ويرتدي القفازات، عندما ذهب ليفتح الباب ليذهب إلى عمله وجد أمامه شخص لم يتحدث فقط وجه له المسدس وأطلقه، عندما وجد عادل المسدس مشهر في وجهه حاول الجري والهرب والابتعاد عن المسدس خاصة أن الرصاصة قد أطلقت بالفعل، جرى الجاني بمجرد أن رأى إصابة عادل وظن أنه قتله، أخرج عادل أثناء محاولته الابتعاد عن المسدس هاتفه ليستغيث، ولا يدري لما اتصل من هاتفه على رقم علياء ليستنجد بها بعد أن استقرت الرصاصة في صدره، لم يعد يستطيع الكلام فأغلق الهاتف ولم يشعر بشيء آخر.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

الفصل الثالث عشر (لست عاهرة)

كانت علياء تجلس في حجرة خديجة، اعتادت أن تفعل ذلك منذ وفاة خديجة، تجلس في حجرتها وتعود بذاكرتها لأيام مضت وولت. تذكرت علياء كيف ظن بها الناس الجنون عندما رفضت أن تصرخ أي سيدة أو تنوح على خديجة، طلبت منهم الاستماع للقرآن والصمت التام. لن تسمح لأي منهن أن تصرح أو تولول على خديجة، لن يحزن عليها أحد كما حزنت هي. أرادت علياء أن تبدأ بما تقدر عليه بمنع ما يغضب الله وما نهى عنه.
طلبت من والدها أن تظل غرفة خديجة كما هي ولا تتغير، أن يكون لها وحدها حق الدخول هناك، كان عبد الخالق يعرف مقدار تعلق علياء بأخته رحمها الله؛ فلم يرفض طلبها وبالفعل أصبحت غرفة خديجة هي ملاذ علياء كلما ضاقت بها الحياة، تدخل هناك تتذكر كيف كانت ترتمي في حضن خديجة عندما تخاف أو يراودها كابوس ما.
بحثت في أدراج الدولاب عن مذكراتها، لقد كان المكان الآمن لها كي تخبئ مذكراتها، لن يجرؤ عادل أبدا على تفتيش غرفة خديجة سواء كانت حية أو ميتة، حتى خديجة نفسها لم تعرف أن علياء خبأت مذكراتها في دولابها، كانت تدخل غرفة خديجة في حياتها حتى في حالة عدم وجودها تنتظر خديجة تنام في فراشها، ولا يجرؤ أحد على منعها من ذلك، لذا كانت تخبئ مذكراتها منذ تزوجت عادل في دولاب خديجة.
تعلم شك عادل الدائم فيها وفي كل النساء، ولا تعرف سبب هذا الشك المطلق، كل النساء ساقطات عاهرات، كلهن دنيئات. لا تعرف لما يفكر بتلك الطريقة، كانت تحبه، ولكنها مع الوقت ومبالغته في إهانتها معايرته لها أمام الجميع بعدم الإنجاب، هو يعلم جيدا كما تعلم هي أنهما لن ينجبا؛ لسبب بسيط أنهما حتى الآن لا يعيشان مثل أي زوجين، مازالت تجلس أمامه بالحجاب وأصبحت تنام في غرفة خديجة، كان يوم زواجها هو آخر يوم استطاع عادل فيه الحصول على ما يريده منها، ومن بعدها بسبب مرضه ومن بعده عناده معها ثم انشغاله بالمصنع ثم الشركة التي أقامها لتصدير منتجات المصنع وتسويقها لم يجد الوقت الكاف أو الرغبة في الحصول عليها، كأنه يقول لها لا وجود لك في حياتي، لا أرغب فيك ولا أحبك.
لم تعرف علياء أبدا سبب معاملة عادل الجافة لها، حاول محمد التحدث معه بلا طائل وحتى والدها حاول معه وكان يقول لهم إنها زوجتي فلا يتدخل أحد. كانت كثيرا ما تسأل نفسها لماذا تزوجها ولماذا حاول قبل زواجه منها الاعتداء عليها، ولماذا فضحها على رؤوس الأشهاد يوم زواجها "بحجة العادات والتقاليد". لقد سئمت هذه الحياة، ولكن زاد على ذلك ما كانت تجده على ملابس عادل من آثار الروائح النسائية وألوان أدوات التبرج النسائية كلما عاد من مصر.
حاولت أن تواجهه بذلك، أنكر ثم بعد ذلك، طعنها طعنة قضت على ما تبقي لها من كبرياء وحب له، قال لها " أنهن نساءً عرفن كيف يرضين الرجل، أنهن نساءً على العكس منك، مجرد عاهرة لا تعرف ماذا تريد أو ماذا تفعل، أنت مجرد ساقطة ساقها القدر في طريقي أخذت منها ما أردت ثم مللت" نزلت كلماته عليها كالصاعقة، صدمة كبيرة، ولأول مرة تبكي علياء أمام عادل، لقد كانت كلماته بمثابة خنجر طعنها به في قلبها وكبريائها، يا له من وغد، إذا كان يراها ساقطة وعاهرة كما الباقين لما يبقي عليها، لماذا لا يطلق صراحها ويطلقها. لم تتمالك نفسها مما قاله، بكت ثم غابت عن الوعي لم تشعر بأي شيء، وعندما عاد لها وعيها وجدت عادل قد تركها في نفس مكانها لم يفكر حتى في حملها ووضعها على الفراش. شعرت أنها كرهته منذ ذلك اليوم. حاولت أن تطلب الطلاق وكما توقعت منعها الجميع عن ذلك. لذا قررت بعد وفاة خديجة أن تعيش في غرفة خديجة.
كان محمد يشفق عليها وعلى حالها، لا يستطيع أن يفعل شيء، حاول مع والده أن يجبر عادل على طلاقها ولم يفلح، حاول أن يتكلم مع عادل ولكنه لم يفلح أيضا. ثم أراد لها الخروج مما هي فيه، أن تشغل وقتها بما ينفع الناس ويخرجها من دوامة عادل وحزنها، خاصة بعد وفاة خديجة؛ فاقترح عليها محمد أن تشترك في التدريس في فصول محو الأمية التي بدأتها الدولة، وأن تساعد في الحملة الأخرى الخاصة باستخراج شهادات ميلاد وبطاقات تحقيق الشخصية للنساء، فهي تستطيع بأسلوبها في الحديث إقناعهن باستخراج تحقيق الشخصية وشهادات الميلاد وكذا الالتحاق بفصول محو الأمية.
أعجبت علياء بفكرة محمد، خاصة عندما رحب بها عبد الخالق، فكرة رائعة تساعد محمد في إثبات نفسه في العمودية، كما أنها تساعد في شعبية عبد الخالق حيث أصبح عضو في مجلس الشعب نائبا عن دائرته، لذا يجب أن يثبت كفاءته أمام الحزب لكي يظل في منصبه في المجلس.
كانت علياء تجد أن فرصتها في تحقيق غايتها من القضاء على العادات والتقاليد المخالفة للشرع، والتي تسلب النساء حقوقهن في ذلك، أن يتعلمن، ويكون لهن ما يثبت وجودهن أمام الدولة، لكي تستطيع أي واحدة منهن المطالبة بحقوقها. بقي أمامها أن تقنعهن بأن الدين أهم من العادات والتقاليد، أن الدين أهم أن يتبع من هذه العادات التي أهدرت حق المرأة وكرامتها.
وجدت علياء أن الحل أن تبدأ مع الفتيات الصغيرات، أن تزرع في الجيل الصغير لكي ينشأ على أفكار جديدة غير التي وجدتها هي، ساعدها مأمون ومحمد على ذلك، وكانت بعد انتهائها من دروس محو الأمية تستعين بشيوخ من القاهرة أحضرهم محمد ومأمون لكي يدرسوا الدين للفتيات والفتيان الصغار، وأن يكون محور الدروس حقوق المرأة في الإسلام.
لقد وعت علياء الدرس، لا طائل من إقناع الكبار، لو كانوا فكروا لكانوا اقتنعوا وتخلوا عن العادات والتقاليد، هدفها هو الجيل الصغير، الأطفال والمراهقون والشباب، ركزت على هذه الفئات، تعلم أن الحصاد لن يكون سريع ولكن عليها أن تصبر.
كانت تكتب مذكراتها يوميا، وعندما تحاول استرجاع ذكرياتها وما تمر به، تجد أن أسعد أوقاتها هو الوقت الذي تقضيه في فصول التوعية والتعليم. وجدت مذكراتها وفتحتها وعادت بالذاكرة لكل ذكرى أضحكتها وأدخلت عليها السرور، ولكنها خرجت من شرودها على صوت هاتفها المحمول، وجدت رقم عادل يتصل بها.
سافر عادل منذ الأمس للقاهرة وقال إنه سيمكث ثلاثة أيام يعود بعدها، لم يتعود أن يتصل بها، فتحت الخط سمعت صوت عادل يستغيث ولم تفهم شيئا مما قاله ثم انقطع الخط، حاولت الاتصال به كثيرا لم يرد، اتصلت علياء بمحمد على الفور وحكت له ما حدث. شعر محمد بالقلق الذي ساور علياء، وتعجب أنها ما تزال تحب عادل على الرغم من جبال الثلج بينهما، اتصل محمد بفراش الشركة ليذهب ويطمئن على عادل وانتظر منه الرد، بعد حوالي نصف ساعة اتصل به الفراش يستنجد به، لقد فتح الشقة بالمفتاح الذي يتركه عادل معه ليجد عادل غارقا في دمائه في مدخل المنزل، وهاتفه المحمول ملقى جانبه. طلب محمد من أمين الفراش أن يتصل بالشرطة والاسعاف فورا وأنهم في الطريق له وأن يتأكد من أن هاتفه المحمول يعمل طوال الوقت.

لم تصدق علياء حرفا مما سمعته، من هذا وماذا يقول؟ أين عادل؟ هل هي مكيدة من عادل ليعرف إن كانت مازالت تحبه أم لا؟ ثم من له مصلحة في قتل عادل؟ وطلبت أن تذهب مع محمد وأبيها وطلب مأمون أن ينضم لهم لابد له هو الآخر أن يطمئن على أخيه، لم يوافق أحد على سفر فردوس خوفا مما قد يجدوه، كما أن فردوس كبرت في السن ولم تعد تستطيع الحركة السريعة ستبطئ خطاهم، حجزوا على الطائرة المتجهة للقاهرة. شعرت علياء أنها لابد أن تسافر علياء لتطمئن على عادل، إنه زوجها وحبيبها، لم تعرف سبب هذه المشاعر المتناقضة التي تشعر بها، كانت على يقين من كرهها لعادل ومن سيرته وصحبته، ما الذي يجعلها تخاف عليه، وترتبك، وتتمنى أن يكون بخير، أين كان ذلك الحب؟ لا تعرف.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

الفصل الثاني عشر (لست عاهرة)


كانت خديجة منذ تقدم عادل للزواج من علياء تفكر في بدء علياء مهامها باعتبارها الكبيرة في هذا الدوّار، والمسئولة عنه مكان خديجة –وهي على قيد الحياة –كي لا ينازع علياء أحد مكانها ومكانتها، ولكن فكرة عادل في الابتعاد تدمر ما تفكر فيه خديجة وتعد له منذ ولدت علياء، وهي أيضا تخاف على علياء من عادل.
تعرف نظرات الحقد والانتقام؛ لقد رأتها سابقا في عيون علياء، وهي الآن في عيون كل منهما، لا تخاف من علياء لأنها تعرف أنها عاقلة ورشيدة ولكنها تخاف من عادل وتهوره، مازال يحتاج أن يتعلم كيف يكون كبيرا، تمنت لو أن علياء تزوجت مأمون، أو لو كان عادل في أخلاق مأمون وعقله. ولكن عادل هو عادل، لا يمكن أن تتركه بمفرده مع علياء، لا يمكن أن يكون أي شخص آخر في مكانة علياء –كبيرة الدوّار –لا أحد غيرها جدير بتلك الصفة.
كان عبد الخالق قلقا من إصرار عادل على الابتعاد، لا يريد أن يتسبب البعد في أي ضغينة بين العائلة، يريد أن تكون العائلة أسرة كبيرة متلاحمة، لا يمكن أن تفترق؛ لذا اتخذ قراره برفض فكرة عادل بالابتعاد عن القرية والخروج للمدينة، وكان قراره نهائيا لا رجعة فيه.
يعلم عبد الخالق جيدا مدى حب عادل له، واحترامه لقراراته، ووجد عبد الخالق ضرورة أن يتعامل مع عادل كما كان سابقا، لا يتغير أي شيء سوى عدم انفراد عادل بالحسابات والإدارة، يعلم أنه لم يحسن تربية عادل ولم يعلمه أن السرقة محرمة، وأن إدارة الأملاك أمانة. فلا يمكنه أن يلقي باللائمة كلها على عادل، لم يراجع أحد أبدا وراء عادل، وأيا كان الشخص موثوق به، فالمثل يقول "المال السائب يعلم السرقة"؛ لذا عادل ليس وحده مذنبا كلهم مذنبون ويتحملون نصيبا من خطأ عادل.
استقر الأمر على أن يقام المصنع داخل القرية في قطعة أرض تقع ضمن أملاك عادل، ويتم البناء من أموال عادل، وساعده عمه بجزء من أمواله في بناء المصنع، ليقول له بذلك نحن عائلة واحدة وأنت ابني ومهما أخطأت فالأب لا يغضب من أبنائه أو يطردهم. فهم عادل رسالة عمه واطمأن لها، كما أن محمد ومأمون لم تتغير معاملتهما معه، باستثناء غضب محمد من عادل بسبب سوء معاملته لعلياء.
حاول عبد الخالق التحدث مع عادل لكي يحسن معاملة علياء، الكل يلاحظ ذبولها ولكنها لا تتكلم
عبد الخالق: يا بني الكل يلاحظ ذبول علياء، رغم أنها لا تتحدث، أنا أب أشعر أن ابنتي ليست على ما يرام، تكلم يا بني علّني أستطيع أن أحل سبب المشكلة
عادل: لا تقلق يا عمي، ولكن علياء حتى الآن لم تتعلم أن العادات والتقاليد هي أهم ما نحافظ عليه، لم تفهم أنها أصبحت زوجة، لا تعرف حتى الآن كيف تعامل زوجها، حتى الآن لا تجلس أمامي إلا بالحجاب.
تفاجأ عبد الخالق من جملة عادل الأخيرة، ما معنى أنها لا تجلس أمامه إلا بالحجاب، معنى ذلك أنه لا يقربها، فكر عبد الخالق أن ابنته تفعل ذلك لتعاقب عادل على فعله بعمه واخوته، فقال لعادل "سأتكلم معها يا بني، ما تقوله الآن لا يرضي أحدا"، إلا أن عادل رفض ذلك وقال له أنه سيتعامل مع ذلك؛ فعلياء زوجته ويجب أن يعلمها هو ما يريدها أن تتعلمه، وطلب من عبد الخالق ألا يتدخل أحد في ذلك. وبالفعل لم يتدخل أحد في ذلك الموضوع أو يفتحه مع عادل. خاصة بعد انشغال الجميع في بناء المصنع والشركة الخاصة به، ثم مع مرض خديجة ثم وفاتها.
بدأت علياء في التعامل في الدوّار بصفتها الكبيرة، كانت خديجة تقف بجانبها لتعلمها كل صغيرة وكبيرة عن احتياجات كل فرد في الدوّار وكل شيء فيه، كانت خديجة قد شارفت على بداية عامها الخامس والستين، وبدأ تشتد عليها أعراض المرض، بدأت الآلام التي لا تنتهي والصراخ الذي لم تعد قادرة على كتمانه من الألم، انشغل الجميع مع خديجة وذهبت للمستشفى واكتشفوا أنها تعاني من سرطان بالدم في مراحله الأخيرة ولا جدوى من العلاج، توفت خديجة بعد عام من المعاناة مع الألم، تعلمت فيها علياء أن المرض والموت قد يهزمنا جميعا ويأخذ منا من نحب في لحظة.
لقد كانت تحب خديجة وتعلم أنها من كانت تدافع عنها، حتى مسئولية البيت كانت تعد علياء لها وحاربت كثيرا حتى لا تكون غيرها في تلك المكانة، رحمها الله. كانت كأنها تنتظر أن تتسلم عليا مهامها في البيت وتكون الكبيرة حتى تودع خديجة أحبابها وتودع هذه الدنيا وتذهب روحها لمن خلقها.
كان موت خديجة بعد مرور خمس سنوات على زواج عادل وعلياء، لم يتمكن عادل طوال تلك الفترة من لمس علياء؛ فهي لم تتراجع عن قرارها السابق، لن يلمسها عادل حتى يتغير، حتى يتعلم أن الدين والحب والمشاعر أهم من العادات والتقاليد. أما عادل فلم يحاول أن يلمسها عقابا لها، وإمعانا منه في عقابها، أصبح يأتي من سفره للقاهرة وهو معبأ بروائح الباغيات وآثار معاشرته لهن، أراد أن يعاقبها، واستمر العقاب، واستمرت في عنادها، حتى وصلت أنها تظهر له أن ما يفعله لا يؤثر عليها ولا تكترث له. فقد عادل منها الأمل، وقرر أن يتركها وشأنها ويفكر في الزواج بأخرى، ولكنه لم يقوى على الزواج بغيرها، مازال يحبها ولا يعرف كيف يئد حبها في قلبه، لم يستطع أن يطلقها.
لم تعد علياء بعد زواجها تفارق محمد، وأصبح هو الآخر متعلقا بها، يتعلم منها كل شيء وتساعدها فردوس في تأكيد ما تقوله، محمد متفوق جدا في دراسته، ولكنه قرر أن يدرس في كلية التجارة، دون ما يطلقون عليه كليات القمة ولتكون الكلية في قنا، لقد كان هو الآخر من أوائل الثانوية العامة.
تمر السنون سريعة ولا يشعر بها أحد، اليوم السنوية السابعة لخديجة، وتخرج محمد من كلية التجارة، ساعد والده في العمل في الأرض، أصبح هو العمدة بعد أن أصبح عبد الخالق نائبا في مجلس الشعب. تعلم من علياء الحب لكل من حوله، ولكنه كان يشعر بالضيق من عادل أخيه من طريقة معاملته الجافة لعلياء، وكلماته المسمومة لها أنها لم تنجب حتى الآن، يتألم من كلماته ولا يعرف لماذا لا يتزوج عادل ويترك علياء في حالها، لن يعترض أحد على زواجه ولا حتى علياء، الجميع يعرف ما يقوم به في مصر عندما يسافر لفرع المصنع الخاص به هناك، ولا أحد يتكلم.
لم يترك خيري الإسكندرية بعد زواج عادل إلا مرات قليلة، وأصبح يدعو أهله لزيارته خاصة في فترة الصيف، ولدت عبير زوجته في حملها الأول توأم بنتان، فرح بهمها خيري كثيرا إلا أن خديجة وعبد الخالق كانوا في انتظار الولد، وبعد مرور الأربعين على ولادة عبير كانت خديجة تلاحقها بطلب الحمل مرة أخرى لتلد الولد، ولم تحمل عبير بعد ولادتها الأولى إلا بعد عامين ولدت فيهما توأما آخر ولكنه هذه المرة ولدان. كانت ولادة عبير الأخيرة فرحا للجميع ولدان مرة واحدة. أصبح خيري أب لأربعة أولاد، بنتان وولدان. فرح خيري كثيرا بأولاده الإناث وقرر أن يتعامل معهن كما كان يريد أن تعامل الإناث في بلده، كتب لهن من أمواله وأوصى علياء وأمه وزوجه أن تحصل كل أنثى منهما على نصيبها من ميراثه إن هو مات، وأنه كتب لهن بعضا من أملاكه لأنه لا يدري ماذا يمكن أن يحدث لهن وأودع لهن مبلغا من المال في البنك بأسماء بناته وزوجته.
وصلت البنات لسن دخول المدرسة وقرر خيري أن يتعلم الجميع في المدارس، كما قرر أنه يجب أن يسأل في مسألة الختان، لن يفعل شيء يضر ببناته لمجرد أنها عادات وتقاليد، بناته أغلى عليه من أي عادات أو تقاليد. وعلم الأولاد أن البنات كما الأولاد لهن مثل الذي عليهن، ويزيد عليه أن رعاية البنات تقع على الولد.
كم فرحت عبير بخيري ما فعله مع بناته، لقد كانت تخشى منه في البداية على البنات، خاصة عندما شعرت بخيبة أمل الجميع عقب ولادتها الأولى، ولكنه كان حقا مختلف، لم يكن يتبع أي عادات أو تقاليد، كان دائما يقول لها أنه لا يفعل إلا ما يرضي الله، رضا الله أهم عنده من سخط الناس فليسخطوا، يبتعدوا، يفعلوا ما يحلوا لهم، ولكنه لن يفعل ما يسخط الله أبدا.
اختارا سويا أسماء أبنائهم فكانت علياء، وعلوية وعلي وعبد الخالق، لم ينسى خيري أبدا ما فعله معه عمه، لقد فهم سبب تصرفاته مع والدته، وأدرك أن سلبية والدته هي من مكنت عبد الخالق مما يفعله. كم هو فخور بعلياء ومحاولاتها الخروج عن العادات والتقاليد، ما تعلمه لمحمد.

يعرف خيري ما فهمته علياء، كان الدرس الذي وعته علياء وتعلمته جيدا، لن تستطيع تغيير الموجود حاليا، ولكن ركز على الجيل الجديد، علم الصغار هم المستقبل وحاملي الراية، وهو ما كان يفعله، كان يساعد علياء في غرس ما أرادت أن يتعلمه محمد أن إرضاء الله أهم من المخلوق، أوامر الله ونواهيه أهم من العادات والتقاليد ومن سخط الناس. أصبح محمد العمدة وما يأمر به يقبله الجميع وينفذه دون نقاش، حكمه هو الفاصل وهو الأمر الملزم للجميع. كان خيري يعلم أنها سياسة النفس الطويل، ولكنها تؤتي أكلها حتما في صالح ما كان يفكر فيه ويغضب منه، لن تكون هناك فردوس أخرى ستكون جميع الفتيات علياء. كم يأمل أن يحدث ذلك. 

الفصل الحادي عشر (لست عاهرة)


بعد أن ازداد الألم على عادل وانعدمت قدرته على التنفس، لم يشعر بشيء حتى وجد نفسه غير قادر على تحريك جسمه وغير قادر على التحكم في أي شيء أو فتح عينيه، سمع كلام شخص مع علياء من الكلمات فهم أنه في المستشفى، سمع من حديث علياء معه وهو في الغيبوبة كلمات غير واضحة له، لم يكن قادرا على الكلام أو الرد، أو حتى التفكير فيما قالت.
بعد أن بدأ وعي عادل يعود له بعد أيام من وصوله المستشفى، كان ما يشغل تفكيره هو كيف سيواجه الجميع –بخاصة عبد الخالق –عندما يعلموا باختلاسه أموالهم وسرقتها، وكلما فكر في ذلك ازداد حنقه وغضبه من علياء، وبدأت الأجهزة في الصراخ من جديد.
لم يعلم الأطباء سبب التدهور الذي حدث بعد استقرار الحالة، ولكن عادل يعلم أنه استشاط غضبا من علياء وخوفا من عمه مما جعله غير قادر مرة أخرى على تحمل تبعات تصرفاته، ومر أسبوع على عادل وهو في هذه الحال، حتى قرر أن يواجه مصيره ويحاول جمع شتات نفسه ويؤجل الغضب والخوف حتى ينهي هذه المسألة.
خلال هذه الفترة وصل محمد مع والده ليقفا جوار علياء، حمدت الله أن محمدا معه، كم تحب محمد وتستمع بكلامها معه، رغم أنه يصغرها بعشرة أعوام إلا أنها تشعر أنه أكبر من عمره بكثير، يفهمها ويحبها ويقدرها وجعلها مثله الذي يحتذى به. تذكر كيف ثار على الجميع لرفضه العادات والتقاليد التي تفضح ما ستره الله عن الناس، وكيف ثار على عادل عندما اشترط عدم اكمالها لتعليمها ولكنها تعرف أن الكلمة الأخيرة في يد والدها؛ ولكن محمد هو سندها الذي تحتمي به من الأيام وتدعو الله أن يظل هكذا ولا يتغير.
عندما وصل والدها وأخوها طلبا منها الذهاب للفندق للراحة بعد أن سمعا منها ما حدث، وطلبت من أبيها الصبر على عادل وعدم محاسبته حتى يسترد صحته مرة أخرى، ووافق والدها على ذلك، إذ لم يكن من الممكن محاسبة عادل وهو يرقد على فراش المرض، ففي النهاية عبد الخالق هو من رباه وإذا أخطأ عادل فلابد أن أساس المشكلة من عبد الخالق.
عندما تدهورت حالة عادل مرة أخرى بعد استقرارها خاف عليه عبد الخالق كثيرا، فكان يشعر أن سبب ما يمر به عادل هو خوفه من الفضيحة ومن رد الفعل، وكان عبد الخالق في حيرة من أمره ماذا يفعل، وتشاور مع علياء ومحمد في الأمر واستقر بهم التفكير على أن يغرم عادل ما اختلسه وسرقه منهم مقابل أن يبعد تماما عن أي إدارة لأملاكهم ويقوم مأمون ومحمد بإدارة الأملاك تحت اشراف عبد الخالق. لقد أراد عبد الخالق ألا يدع أي مجال لوسوسة النفس الأمارة بالسوء أن تدخل بين أفراد الأسرة وفي ذات الوقت كان يرفض فكرة سجن عادل ومقاضاته ويخاف عليه إن هو طرده.
رحب مأمون أيضا بهذه الفكرة، حيث كان يخاف من عقاب عبد الخالق وبطشه أن يطالا أخيه. كان الجميع في انتظار استرداد عادل لصحته، وجميعهم ينتابهم القلق عليه وعلى حالته الصحية ويدعون الله أن يمر هذا الأمر بسلام.
******************************

استقرت حالة عادل الصحية وخرج من المستشفى وذهب إلى بيته في قنا مع زوجته وعمه محمد أخيه وابن عمه في ذات الوقت، لم يتحدث أي منهم في موضوع السرقة والاختلاس وكشفهم ما كان يقوم به عادل. نفذت علياء أوامر الطبيب حرفيا، وكانت تراعي نوعية الأكل المسموح بها ومواعيد الأدوية والراحة التي أمر بها الطبيب، وعندما وجد عبد الخالق من عادل استقرار حالته الصحية طلب أن يتحدث معه في وجود مأمون. طرح عبد الخالق ما توصلوا له في شأن ما قام به عادل، ووافق عادل على ما اتفقوا عليه، لقد كان بالفعل يخاف مما يمكن أن يحدث له ووفر ما أشاروا به عليه عناء ما كان يتوقع حدوثه من سجن وطرد من المنزل والمحافظة بأسرها.
فكر عادل فيما يمكن أن يقوم به، واهتدى إلى أن ينشئ مصنع لتغليف الخضروات واللحوم والأعلاف التي تنتجها مزارعهم، يكون المصنع ملك له ويكون في المدينة أو القاهرة وهم الموردين له، على أن يكون هو المسئول الأول والأخير عن المصنع ويكون من نصيبه من أملاكه، طلب عبد الخالق وقتا للتفكير في ذلك الأمر؛ فما يقترحه عادل يتطلب أن يكون المصنع في المدينة وليس القرية وكان يحتاج للتفكير وحساب عائد ذلك الأمر وكذا أن يحاول وأد أية فكرة أو محاولة قد تجول بخاطر عادل لمعاودة سرقة أموال أخوته.
أراد عادل بفكرته هذه أن يبعد كل البعد عن التعامل في أملاك غيره، وهو يثق في أخوته محمد ومأمون وكذا عمه يثق في نزاهتهم في إدارة باقي ممتلكاته، كم شعر باحتقار نفسه عندما طغت عليه شهوته في السرقة وخيانة الأمانة. كما أراد بذلك أن يبتعد عن أي نظرة لوم أو عتاب من الجميع، وفي الوقت نفسه يبعد علياء عن مكمن قوتها وهو أبوها وعمتها ليعاقبها عما فعلته.
كان عادل شارد الذهن عندما دخلت عليه علياء الغرفة لتعطيه الدواء، نهرها عندما شعر بغتة بوجودها، لم تنبت ببنت شفة أعطته الدواء ولمعت عيناها واحمر أنفها ولكنها لم تبك، خرجت دون أن تقول كلمة، وشرد عادل مرة أخرى ولكن شرد في علياء وطريقة معاملته لها.
يعلم عادل أنه يحب علياء واسترجع ذكرياته معها يتذكر يوم ولادتها وكيف ظلمت في هذا اليوم، لقد قالت له أمه "أنها مسكينة فقدت أمها وفقدت معها الأمان وستظل عمرها كاملا تحمل نفسها ذنب وفاة أمها وقت ولادتها وذنب كونها فتاة" في ذلك الوقت ورغم صغر سنه قال لوالدته أنه هو أمانها وحمايتها، وظل يراعي علياء ويراقبها من بعيد إذا حاول أحد إيذائها أو مضايقتها وجد عادل له بالمرصاد، ثم جاء ختانها ومنع من اللعب والجلوس معها. كانت كلما كبرت كبر حبها في قلبه، ولكنه كبر هو الآخر ووجد أن خروجها من المنزل للتعليم يعرضها لمخاطر جمة ويعرضها لشباب السوء ويكثر عنها الكلام، ورغم حجابها كان يعارض دخولها الثانوية العامة.
تذكر عادل أول مرة له مع عالم النساء، لقد كانت مع أصدقاؤه في المرحلة الثانوية، كان هو وأصدقاؤه يذهبون للمدينة ويبتعدون قدر إمكانهم عن القرية ويقفون أمام المدرسة الثانوية والإعدادية للبنات. كانت البنات تستجيب لهم إذا كن بعيدات عن أهلهن، فلا يخفن إذا ما شاهدهن أحد، لا ينسى يوم سأل احداهن عما إذا كانت لا تخشى علم أهلها بما تفعله، فكان جوابها هي تعيش في قرية بعيدة عن المدينة ومادامت عذراء فلا يهم أي شيء آخر. كما تذكر عادل أول يوم عرفه أصدقاؤه على بيوت المتعة، كانت كلها منزل لسيدات ابتعدن عن ذويهم فلا رابط لهن ولا ضابط، هناك تعلم كيف يأخذ ما يريد دون أن يترك حملا أو يفض بكارة. تذكر ما فعله في الجامعة مع الفتيات وكيف سلمن له بكلمة حلوة ونظرة من عينيه، لم تقاومه أيهن، ولكنه تذكر أنه كان يختار من يعرف أنها لن تقاوم، لم يفكر أبدا في فتاة يعرف أنها من طريقة تعاملها في الجامعة أنها سترفضه. كان يعرف الفتيات من نظراتهن له، من وجد في نظرتها رغبة أن يتكلم معها أو يقيم علاقة لم يتردد أبدا في ذلك، وهن كن يقعن في شراك حبه المزعوم حتى يسأم منهن ويبحث عن أخريات.
لقد كانت تجربة قاسية عليه، تعلم منها أن النساء طبعهن الغدر والخيانة، ولا يعرف لماذا تذكر علياء، هل هي مثلهن؟ طرد عن عقله الفكرة تماما، هي من تربت على يديه ولا تترك القرية ولا تتحرك دون خفر أبيها، سيتزوجها عندما تنهي التعليم الإعدادي مادامت عمته وعمه يصران على تعليمها حتى المرحلة الإعدادية، ولكن كيف يتكلم في ذلك الموضوع، أيتكلم مع عمه أم عمته. كانت تلك أفكاره عندما أنهت علياء السنة الأخيرة في المرحلة الإعدادية، وتفاجأ بما فعلته خديجة لتدخل علياء الثانوية العامة، ثم ما فعله هو ليتأكد من أخلاقها.
وتذكر ما فعله معها، لقد كان يعتقد أنها مثل الأخريات اللائي قابلهن في الجامعة في مصر، أو من قابلهن بعد إنهاء دراسته الجامعية وجد المتزوجات وغيرهن من تسلم له نفسها نكاية في زوجها أو في العادات والتقاليد، من أدراه أن علياء لم أو لن تفعل ذلك، لن يتحمل أن تفعل ذلك، وكان لابد له من اختبارها الاختبار الأقصى، لقد هيأ لها كل ظروف التي تلقي فيها باللائمة عليه، خدر عمتها ودلس عليها حتى دخلت غرفته وهما في محافظة أخرى بعيدون كل البعد عن أهلها، لقد كان يحبها ولكن يخاف أن تكون مثل البقية، لقد خطط كل شيء منذ البداية، يعرف أن سمعته تسبقه في موضوع النساء وسوء خلقه من هذه الناحية، ولكن لابد أن يخوض التجربة، يعلم أنه سيتزوجها سواء قضى على شرفها أو لم يقض في الأولى ليستر عرضها وعرض عمه من فضيحة كبرى والثانية لأنه يتأكد من أخلاقها.
لا ينكر بينه وبين نفسه أنه في ذلك اليوم رغم أنه كان يعرف أنه اختبار لها ويتمنى أن تعترض وترفض حتى إن ماتت، ولكنه كان يتمنى أن يشتم رائحتها ويلمس جسدها ويشعر به، لقد أقدم على ما فعله بكل ما أوتي من قوة من حبه لها وخوفه من النساء.
بعدما ضربته وأنقذت نفسها من براثنه كان يريد أن يتزوجها ولكن كيف يفعل ذلك وهي تريد أن تدخل الجامعة، أي ستجد هناك ألف عادل، وهو يحبها ويرغب في الزواج منها، يرغب أن يكون قربها. كان يمنع نفسه كثيرا من لمسها ومحاولة تقبيلها كم كان يود ذلك، حذره مأمون من عاقبة نظراته لعلياء وما تشمله من رغبة إذا ما لاحظه أحد.
مسكين هو مأمون. لا يعرف كم يخاف عادل على علياء ويحبها كما يرغبها تماما، ولكنها الغيرة التي جعلته يعارض دخولها الجامعة، ويبحث عن غيرها زوجة له، لقد ساعدته كثيرا خديجة بطلبها منه أن يتقدم لعلياء ويتزوجها، لا يعلم أحد منهم كم يحبها ولكنها عنيدة وكانت تحارب من أجل التعليم والجامعة وها هو قبل أن يتقدم لها يشترط عدم خروجها من المنزل، أراد أن يتأكد أنها لا تحب وتواعد، لقد أحكم عليها الرقابة دون أن تشعر هذه الفترة، لقد ظلت عامين منذ تقدم لها عادل، عامين لا تخرج فيهما من الدوّار، إلا مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، مرة عندما ذهبوا لزيارة خيري في الإسكندرية، وأخرى في رحلة الأقصر التي وعد بها عبد الخالق علياء. أغلق عليها الحصار فقط ليتأكد من سلوكها وعدم مواعدتها أحد.
كان قراره أن يكون الزواج وفق العادات والتقاليد بمثابة درس لها، أن تخضع وتخشع لهذه العادات ولا تحاول أن تتخطاها.
ثم تذكر عادل ما حدث يوم زفافه وما قالته، وتحديها له. حتى الآن لا يعرف عادل كيف أتتها الجرأة والقدرة على أن تقول ما قالت! كيف تفعل سيدة محترمة ما فعلته وكيف تقول ما قالته! من منهما الرجل ومن منهما القائد في الحياة، بالطبع هو من يقود هذه العلاقة، أليس هو الرجل؟ والرجال قوامون على النساء، أي فقه قرأته لتنازعه قيادة زواجهما. ثم تذكر تهديدها له بكشف أمره لوالدها إذا هو لمسها مرة أخرى، ولكن ها هو والدها علم ما فعله وتم تسوية المشكلة، ماذا ستفعل بعد ذلك إذا هو أخذ حقه منها.

لقد كان دائما يحبها ولا يحتمل أن يجرحها أحد ولكن العادات والتقاليد أهم من الحب، العادات والتقاليد لابد أن تتبع، العادات والتقاليد هي من تحكم الناس في هذا البلد، لذا كان يفكر في ابعادها حتى يتثنى له إعادة تربيتها من جديد وفق ما يروق له، وليعاقبها على ما قالته وما فعلته.

الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...