الأربعاء، 15 أبريل 2015

المتمردة -الفصل الرابع

استيقظت زهرة من نومها، وشعرت أنها أصبحت أفضل حالا. فتحت هاتفها الجديد واتصلت بعلياء لتعرف أخبار المدرسة وقبول أجازتها
زهرة: ازيك يا علياء عاملة ايه؟
علياء: الحمد لله يا زهرة، انتي عاملة ايه دلوقتي. مالك كنتي حاسة بإيه؟
زهرة: مفيش شوية مغص والدكتورة قالت لي لازم راحة ورايحة لها بالليل، هي الأجازة اتوافق عليها؟
علياء: ألف سلامة عليكي وخلي بالك من نفسك يا زهرة واسمعي كلامها وريحي، ما تقلقيش من الأجازة، خلاص اتقبلت، على فكرة في حاجة غريبة حصلت النهاردة
زهرة: خير؟
علياء: جوزك سأل عليكي النهاردة، وبيكلمك موبايلك مقفول. هو عادل ما يعرفش النمرة الجديدة ولا ايه؟
زهرة: تلاقيه نسيها كالعادة، أصلي نزلت عشان آجي المدرسة، وبعد كده تعبت وأنا سايقة؛ فاستنيت في العربية شوية لغاية لما هديت، وبعدها كلمتك وكلمت الدكتورة
    علياء: ماشي يا حبيبتي، أسيبك تستريحي وخلي بالك من نفسك ولو فيه جديد ح أكلمك
    زهرة: متشكرة يا علياء، سلام
على الرغم من قرب علياء لزهرة، إلا أنها لم تسمح لأي شخص بالقرب من حياتها الشخصية أو أن يعرف عنها أي شيء. كانت زمالة العمل حدودها العمل وفقط العمل لا أكثر، لذا لم يكن لديها ما تقوله لعلياء، ولكن زهرة في ذلك الوقت كانت تحتاج أن تتكلم وتتكلم دون أن يقاطعها أحد. أرادت أن تخرج ما في داخلها لتتخلص منه دون مقاطعة، أن تتكلم فقط
أمسكت جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها، وفتحت حسابها الجديد على الفيسبوك. منذ أن علمت بعلاقته الجديدة قررت أن تنشئ لها حسابا جديدا تتحدث من خلاله لتقول ما داخلها دون خجل، ودون أن يعرفها أحد. كان اسمها في حسابها زهرة الياسمين –كان هذا الاسم هو المفضل لها، والذي كان يناديها به والدها. وبعد أن دخلت على مجموعة نساء حائرات وكتبت تعليقها
" أول مرة أشارك في حياتي في موضوع منشور ولكني عندي نفس المشكلة وقررت أن أرد على الخيانة بالخيانة، انتظر أرائككم"
وجدت العديد من المعاكسات على البريد الوارد، ولكن استوقفتها رسالة من ساقي الورد رد عليها "يا زهرة الياسمين، إن كان قد تزوج فهو لم يخن وإن كان قد خان فخيانتك له انتقاص من قدرك أنت وليس قدره، فكري يا بنيتي جيدا فأنت من سيقع عليه اللوم وأنت من سيخسر في النهاية، ستخسرين نفسك. إن لم تقدري على التحمل فاطلبي منه الطلاق، وإلا فاصبري واحتملي"
كانت رسالته لها وميض ضوء، لقد أعطاها الحل، نعم ستطلب الطلاق منه ولكن بعد أن تحمل منه ليكون لها طفل ترعاه. كم اشتاقت أن يكون لها طفل منذ أول يوم تزوجت فيه، كم اشتاقت لتسمع كلمة أمي من وليدها، ولكنه عادل –هو بعد أول أسبوع في زواجهما –طلب منها أن تذهب إلى الطبيب لتؤجل الانجاب فترة من الزمن؛ كي يستعد كلا منهما لقدوم طفل لحياتهما، لم تعترض ولم تتذمر. بالرغم من شعورها أنه لا يحبها، وأنها يجب أن تنجب، فضلت أن تنصاع لرغبته دون جدال. رغم ألمها انصاعت، ولم تنجب طيلة سنوات زواجها الماضية. ولكن بعد أن عرف امرأة أخرى؛ فرأت زهرة أن من حقها أن تنجب وليفعل ما يريد، ولكن سيكون لها ولدها.
وبالفعل حملت بعد مرور أقل من شهر على ذهابها للطبيب ليزيل وسيلة منع الحمل، ويعطيها بعض الأدوية التي تساعدها على سرعة الانجاب، وحملت في جنينها الحالي. رفضت أن تخبر أي شخص بحملها؛ كي لا يعلم عادل بحملها ويجبرها على إجهاضه، ولكنها تعلم يقينا أنها لم تكن لتطيعه هذه المرة. لقد جرحها عادل في كبريائها كأنثى وجرحها كزوجة، لقد اعتاد جرحها وهي اعتادت أن تتألم في صمت، اعتادت أن تعطي الحب والمودة وتتفانى في خدمة الجميع، حتى لو لم يقدروا هم ذلك، هكذا علمتها والدتها، كونها أنثى يعني أن عليها أن تكون تابعا ينصاع لرغبات من يتبعه، فهذا قدرها وإن لم ترض به.
لم يكن عطائها ضعفا، بل كان ما علمها والدها إياه. لقد علمها أن العطاء هو من يصنع الانسان ويعينه على حياته، ولكنها لم تجد من يقدر هذا العطاء، بل قابله زوجها بالجحود. لقد جحدها حقها في الزوج والحب والأطفال ولم يقدر ما أعطته إياه.
استاءت زهرة من العطاء المفرط الذي بذلته لمن لم يستحقه، ولكن ماذا كان عساها أن تفعل ليشعر بها ويشعر بوجودها في حياته؟ لقد فكرت أن تطلب الطلاق منذ أول يوم علمت فيه بحملها، ولكن منعها ما وجدته من ردود أفعال على صفحتها على الفيسبوك.
لقد غيرت حالتها الاجتماعية من متزوجة لمطلقة، وجدت بعده آلاف من طلبات الصداقة والرسائل الخارجة، والكلمات التي جعلتها تتيقن أنها في مجتمع يتعامل مع الأنثى على أنها تسعى لتحصل على رجل، ولا يتعامل معها على أنها إنسان له مشاعر وأحاسيس كما الرجل.
كان ما وجدته على الفيسبوك كفيلا بجعلها تتراجع عن الطلاق، خاصة عندما أضافت بعض أصدقائها في العمل دون أن يعرفوا أنها هي زهرة، كانت تتعامل معهم وتجلهم في المدرسة، ولكنهم أيضا أول من خذلها بعد علمهم أنها سيدة مطلقة. لم يعلم أي منهم من هي حقيقة، ولكنهم كانوا كغيرهم مجرد مجموعة من المرضى النفسيين يبحثون عن فريسة لاصطيادها، ولا يهم من هي. ولكن بعد أن صارحها عادل بزواجه وحمل زوجته لم تحتمل أن تكمل حياتها، لقد انسحبت في هدوء كما عاشت معه في هدوء.
 كتبت له قبل نزولها من المنزل أنها لن تعود له مرة أخرى، وطلبت منه أن يطلقها ولا يحاول أن يضايقها أو أن يفرض وجوده في حياتها رغما عنها. لقد كرهت زهرة إرغامها على حياتها وعلى كل ما لا تحبه. كفاها إرغاما لها واغتصابا لحقوقها، لقد أتى الوقت الذي لابد أن تعيش فيه لنفسها لتحب نفسها ولو قليلا، لتعرف من هي، وتستكشف حياتها.
ووضعت له الرسالة على الفراش كي يراها، ولكنها توقعت –كما هي عادته –أنه لن يهتم بما يوجد على الفراش أو في الغرفة، فوضعت شريحة هاتفها القديمة لكي تنتظر مكالمته فتطلب منه الطلاق وعدم البحث عنها وتنتهي الحياة بينهما، دون أن تخبره بحملها.

كانت زهرة في ذلك الوقت أيضا تنتظر ردا من عمها عن قدومه إلى مصر، فعمها مسافر للعمل في الكويت منذ كانت في الخامسة من عمرها، لم تكن الاتصالات بينها وبينه تحدث باستمرار، ولم يكن قريبا منها ومن والدتها. ولكن في هذا الوقت بالذات تحتاج زهرة لوجود عمها، لوجود سند لها يعينها على الأيام. لا تعرف زهرة ماذا سيكون رد فعله عندما يعلم بكتمانها خبر حملها عن زوجها وطلبها الطلاق، ولكن قال إنه سيأتي بعد ثلاثة أشهر، لتنتظر وليكن الله في عونها.

الثلاثاء، 14 أبريل 2015

المتمردة -تابع الفصل الثالث


بعد أن علمت زهرة من الرسالة التي وصلت لمحمول عادل أنه متزوج، قررت أن يكون لها طفل ترعاه وتحبه وتعوض به ما فاتها من حياتها، وبالفعل منذ ثلاثة أسابيع علمت أنها حامل في شهرها الثاني وحمدت الله على ذلك ولم تقل لأحد سوى علياء زميلتها في المدرسة وطلبت منها عدم اخبار أحد، لم ترد زهرة أن يعلم عادل بحملها الآن، خافت أن يجبرها على الإجهاض لذا كتمت خبر حملها.
كما أعادت فتح شقة والدتها واشترت أثاث جديد لها واشترت رقم جديد لهاتف المحمول الخاص بها، عادل لا يعلم أن شقة والدتها مازالت موجودة فهو اعتقد أنها باعتها بعد وفاة والدتها. ولكنها بعد أن أعلنت عنها للبيع لم تستطع أن تبيع مكان حمل كل ذكرياتها؛ فتراجعت عن البيع وأغلقتها، ولم يسلها عادل ما حدث للشقة وهي لم تخبره.
ذهبت زهرة لشقة والدتها، كانت قد اكتملت الشقة من أثاث وطعام وحتى ملابسها نقلت جزء كبير منها هناك. كانت تؤهل نفسها لليوم الذي تعلم فيه خبر زواج زوجها منه هو، كانت تحلم أن تقول له أنها حامل ثم تطلب الطلاق وتتركه؛ ولكنها سرعان ما تراجعت عن هذه الخطوة، كانت تحسب لكل ما تقوله وتفعله ألف حساب -كما علمتها والدتها -وكان كبريائها يمنعها أن تبكي، أو تعترض، أو حتى تعلن خبر حملها.
قررت زهرة أن تترك المنزل لعادل ووالدته دون أن تقول له أنها ستتركه، تريده أن يبحث عنها، تريده أن يعرف إن كان حقا يريدها أم لا، ولكنها قررت أنها لا تريده. لم تحبه في يوم من الأيام وبعده عنها بعد الزواج جعلها تتيقن أنه لم يحبها قط، قد يكون أعجب بها وبأخلاقها وبمعاملتها مع الآخرين ومع أهله، ولكنه لم يحبها لذاتها. فهي متأكدة أنه إذا كان أحبها من كل قلبه –كما يدعي دائما- فكان لابد له أن يحاول أن يغيرها، أن يعلمها كيف تكون الزوجة لزوجها، وكيف تكون الانثى إذا دخلت خدرها. كان ما يجمعها به الزواج والعشرة، أما الآن فما يجمعها به جنين في أحشائها، لن تخاف أن يعرف الآن بحملها في قاربت على إنهاء الشهر الثالث.
فتحت زهرة منزل والدتها ودلفت لغرفتها وهي مازالت تبكي، حتى أحست بألم في أسفل بطنها فهاتفت طبيبتها وأخبرتها بما تشعر به وطلبت منها الطبيبة تناول بعض الأدوية مع الراحة وعدم الانفعال واستمعت لكلامها ووجدت نفسها دون أن تشعر تكلم جنينها
-         حبيبي معلش حقك عليا غصب عني زعلت واتضايقت، أنا آسفة أوعدك ح آخد بالي منك أكتر من كده معلش سامحني
لم تدر لما كلمته ؟ وكيف قامت بذلك –رغم علمها أنه لم يصل لعُمر يسمعها أو حتى يشعر بها؟ ولكنها تشعر أنه يشعر بها وبكل ما تشعر به، أرادت أن تجعله مطمئنا لرغبتها فيه وفي خروجه للحياة. وقررت أنها ستطلب الطلاق من عادل؛ لأنه لا يستحق أن يعيش معها ولا يستحق أن تكون هي زوجته، فلينعم بزوجته الأخرى وحملها. ثم نامت براحة لم تشعر بها منذ غادرت هذا المنزل لمنزل زوجها.

أما عادل فكان الذهول هو المسيطر عليه، مع من كان يتحدث؟! أهذه هي زهرة التي يعرفها؟! كلا، ليست هي. إنها شخصية أخرى قوية صلبة لم يعرفها من قبل، بل وتأخذ قراراتها دون نقاش معه، لقد تركته بعد أن طلب منها أن تأخذ اليوم إجازة من المدرسة ومع ذلك خرجت، وهنا توقف عادل مع نفسه، كيف لم يلحظ ذلك!!!
لقد تغيرت طريقة ارتداء زهرة لملابسها وتغيرت ألوانها، إنها اشترت ملابس جديدة وذات ألوان زاهية غير هذه التي كان يشتريها لها، لقد كان يشتري لها الألوان الداكنة والتي كان يشعر أنها تصلح لوالدته أو لسيدة مسنة لأنه كان يشعر أن زهرة كذلك حوهي كانت ترتديها دون نقاش. كيف لم يلحظ أن زهرة لها ما يزيد عن أربعة أشهر تغيرت فيها طبيعة ملابسها وألوانها، إنها ترتدي ملابس زاهية الألوان ملابس تصلح لفتاة في مقتبل العمر في بداية عقدها الثاني، وليس ما كان يختاره لها.
بل كيف لم يلحظ أن زهرة لها ما يزيد عن الأربعة أشهر لا تأكل معه، إذن هي علمت بأمر زواجه منذ ذلك الوقت. ولكن ما كان يحيره هو لماذا صمتت ولم تتكلم؟ لما هذا الصمت المطبق؟ وكيف لم يلحظ هو التغير؟ أنه يعرف أنه يحبها ولكن كيف إذا كان يحبها لم يلحظ تغيرها؟ لقد صدم من الحقيقة؛ إنه لم يحب زهرة ولكن كان منجذبا إليها، ثم -حفظا لقسمه لوالدتها –أكمل حياته معها، لولا ذلك لكان طلقها منذ أمد بعيد.
صدم عادل من تلك الحقيقة، كانت صدمة قاسية أحس بها، لم يخطر على باله ولو للحظة أنه ما عاد يحب زهرة، أيمكن أن يكون ذلك بسبب برودة مشاعرها؟ لقد أبقى عليها لأنها لم تتذمر من خدمته وخدمة والدته، ولم تطالبه يوما بخروج، أو بتواجده معها. حتى عندما كان يتأخر خارج المنزل، أو يبيت لم تتذمر ولم تعلن تضايقها.
لم يعلم عادل أنه مع كل يوم كان يمر عليه وعلى زواجه من زهرة كان يقتل فيها شيئا ما، رغم أن زهرة لم تكن تحبه؛ فهي تزوجته وتركت نفسها لتحبه وتتعايش مع طباعه، ولكنه لم يعطها الفرصة أو يعلمها كيف يجب أن تكون. كان كثيرا ما يعنفها، ويتعامل معها على أنها سيدة مسنة لا تصلح سوى للمنزل، ولا تصلح لتكون أم أولاده؛ وهي -رغم عدم اعتراضها –منعها كبريائها من الاعتراف بحقيقة أنه ما عاد يرى فيها الانثى المرغوبة.

الاثنين، 13 أبريل 2015

المتمردة -الفصل الثالث


لم يذهب عادل إلى عمله في ذلك اليوم وقرر أن زهرة يجب أن تعلم أنه متزوج منذ عام ونصف وأن زوجته حامل في شهرها الخامس
عادل: زهرة أنا أجازة من المدرسة النهاردة، يا ريت انتي كمان تاخدي أجازة
زهرة: يااااااااااااااه، غريبة يا عادل أول مرة من أكتر من سنتين تاخد اجازة انت عيان؟
عادل: هو أنا لازم أبقى عيان عشان آخد أجازة؟ عايز أقعد معاكي شوية
زهرة (متوجسة من عادل وما يريد أن يقوله): حاضر ح أكلم المدرسة وأطلب أجازة مفيش مشكلة خير
عادل: خير ايه، بقولك ح نقعد سوا
زهرة: اصلك مش بتعمل كده الا لما تكون عايز تقول حاجة، اخر مرة عملتها كنت بتقولي بلاش حمل واطفال وخلينا نبني مستقبلنا، النهاردة ح تقول ايه
عادل (وقد شعر أن زهرة تعرف شيئا ما): من امتى يا زهرة بتسألي، مش عادتك
زهرة: ابدا بس حبيت اعرف، وبعدين أنا قلت لك حاضر ح آخد الأجازة
عادل: ايه رأيك نخرج النهاردة سوا نروح النادي؟
زهرة (وقد أرادت أن تنهي حيرته): انت اتجوزت من امتى يا عادل؟
عادل (شعر بصدمة من معرفتها ولكنه أراد إنهاء الموضوع): من سنة ونص لكن انتي عرفتي ازاي؟
زهرة (بدون أي رد فعل كما هي عادتها): جت لك رسالة افتكرته موبايلي شفتها عرفت إنك اتجوزت، عارفة إنك ما لكش في المشي البطال
عادل(بعصبية): وسكتي هو أنا مش فارق معاكي للدرجة دي، عموما أنا قلت لك لأنها حامل في الشهر الخامس
زهرة (صدمها خبر الحمل ولكنها لم تبد ذلك): بجد مبروك، اعتقد مفيش لزوم للأجازة، أنت فطرت الحمد لله، أنا نازلة رايحة المدرسة وبعد المدرسة رايحة النادي
كان رد فعل زهرة مفاجئ تماما لعادل، أن تعرف أنه متزوج ولا تتكلم ولا يظهر منها تلميح وحتى خبر حمل زوجته لم تبد له أي رد فعل، أي جماد هي!!! جالت بخاطره الكثير من الأفكار عن برودتها في استقبال الخبر، أيجب عليه أن يفرح أم يغضب؟!
ظل عادل جالسا على مقعده لا يبارحه حتى ارتدت زهرة ملابسها وأخذت مفاتيح سيارتها دون أن تنطق بكلمة واحدة، دخلت لتلقي التحية على والدته وتنظر طلباتها –كأن عادل لم يقل للتو أي شيء –ونزلت للمدرسة.
وبمجرد أن ركبت زهرة السيارة أحست فياضا وشلالات من الدموع تريد أن تغادر عينيها وتنهمر على وجهها، كم عانت حتى لا تظهر عليها أية تعبيرات، كم عانت حتى لا تغضب وتلقي بكل ما أمامها في وجهه. ولكنها دائما تعودت أن تكبت مشاعرها ولا تظهرها لأحد، تعودت أن تتألم في صمت، دون أن يعلم أحد.
كانت زهرة على يقين من أن لا أحد يهتم بها ويهتم لمشاعرها، آخر من كان يهتم بها حقا كان والدها ثم توفى، أما والدتها فكانت تحبها، ولكن لم تكن والدتها تعير مشاعرها اهتماما ولا تعيرها أي اهتمام لتوضح سبب اختيارها، ولكن زهرة كانت على يقين من أن والدتها تعرف الأفضل لها. حتى عندما تقدم عادل لخطبتها لم تكن تعرفه، ولكن والدتها نصحتها وقالت لها أنه يحبها وأنها بخبرة الأم علمت ذلك، لذا فهو أفضل من تقدم لها، فتزوجته.
لم يساعدها عادل أن تشعر بقربها منه، ولم يبذل أي مجهود ليقترب منها. وهي أيضا تعرف أنها لم تبذل مجهود لتقترب منه ولكنها تعاملت كما أخبرتها والدتها، الطاعة المطلقة للزوج لأنه هو المسئول عن كل شيء وحب أهله لأنهم جزء منه وهم من سيكون لها سند إذا هو أخطأ في حقها.
ظلت زهرة على حالها في السيارة فترة طويلة لم تدركها حتى وجدت هاتفها المحمول يطلق نغمته المعتادة، إنها علياء زميلتها في المدرسة، وفوجئت أن الساعة تجاوزت العاشرة؛ بما يعني أنها ظلت هكذا ثلاث ساعات متواصلة لم تشعر كيف مرت عليها وهي في السيارة تبكي، ردت على هاتفها واعتذرت عن الذهاب للمدرسة وطلبت منها أن تقدم لها أجازة مرضية لمدة أسبوع بسبب متاعب الحمل وأعطتها رقم هاتف آخر لأنها ستغلق ذلك الخط.


الجمعة، 10 أبريل 2015

اعتذار واجب

كل سنة وكل الاقباط طيبين وبخير وكل عيد وانتم طيبين
اعتذر عن الكتابة حتى يوم الثلاثاء القادم نظرا لبعض الظروف الخاصة
كل عام وأنتم بخير
 

المتمردة- الفصل الثاني


أحب عادل زهرة منذ أن رآها أول مرة في المدرسة عندما التحقت بها للعمل كمدرسة لمادة الفلسفة. أحب منها خجلها وحيائها الذي عز أن يوجد في فتاة في هذا الزمن –وهو أيضا ما كرهه منها بعد الزواج –أحب فيها طيبتها وطاعتها لوالدتها وبعد ذلك طاعتها له.

مازال يحبها من كل قلبه ولكنه في النهاية رجل، رجل يريد أن يتمتع بزوجته ويشعر معها بفحولته، إلا أنها ومنذ أول يوم وأول مرة يلتقيها كزوجة له كانت خجولة وشديدة الحياء. إنه مازال يذكر كيف عانى معها أسبوع كامل حتى اقتنعت أنها يجب أن تخلع الحجاب أمامه، لأنه زوجها وأن ترتدي ملابس النوم التي في دولاب ملابسها أمامه، لقد كانت تبكي دائما خاصة عندما طلب منها أول مرة حقه الشرعي كزوج لها. في البداية لم تفهم ماذا يقصد وبعدما وجدها لا تفهم وبدأ يشرح لها كانت تبكي، ولجأ لوالدتها وحكى لها ما كان حتى استطاعت بما يشبه المعجزة أن تقنعها أنه زوجها وأن له عليها حقوق وعليها الطاعة في كل ما يقول.

بعد ذلك وعندما لمسها أول مرة كانت مثل الحجر لا تتحرك، حتى عندما تألمت عندما فارقت عهد العذرية ودخلت عالم النساء لم يسمع منها صرخة أو تألم ولكنه لمح في عيونها الدموع التي سالت دون أن تصدر أي شيء أو تعلن عنه.

لقد احتضنها بشدة حتى تهدأ، لامها لأنها لم تخبره بألمها ولكنه رغم حبه لها وخوفه عليها لم يشعر أنه أرتوى منها أو أنه شبع، لاطفها حتى سكنت وبدأ معها من جديد لم تبد أي رد فعل ولكنه هذه المرة لم يستطع التحكم بنفسه حتى أنهى ما بدأه ولكنه وجدها قد أغشي عليها. منذ ذلك الوقت وهو يخاف لمسها ولكنه عندما كان يحاول كان رد فعلها دائما لا شيء.

لم يفهم هو سبب ذلك، ولكنه أراح عقله من عناء التفكير واعتقد أنها كما يطلق على النساء التي لا تشعر "باردة الاحساس". لم يستطع عادل أن يخونها ولكنه أيضا كره خجلها وحيائها الذي منعها منه ومنعه عنها، الحياء جيد في الانثى ولكنه ككل شيء إذا زاد عن حده أصبح شيء كريه.

تذكر عادل القسم الذي أقسمه لوالدتها وهي تحتضر بأن يراعي زهرة ولا يجعلها تحتاج لبشر وأن يكون مسئول عنها، وبذلك أزاح فكرة طلاقها من تفكيره. كما أنه مازال يحبها، فهي لا تقول له لا على أي شيء، وكل ما يقوله لها بمثابة أمر غير مكتوب تنفذه كما هو. ولكن عادل يشعر أن زهرة لا تحبه كما يحبها فهي لا تبادله نفس المشاعر، إن الحب دائما ما يعلن عن نفسه إذا أحببت شخصا فضحتك نظراتك وآهاتك، فضحتك عيناك كلما رأيته أو مر أمامك بلمعانها وعدم قدرتها على مفارقة من تحب؛ لم ير من زهرة أي من ذلك لم يشعر يوما أنها تحبه أو تتلهف على لقائه.

ولكي يثبت أن ما يشعر به حقيقة، بعد شهر واحد من الزواج قرر أن يبدأ الدروس والمجموعات وأخبرها بذلك ولم تعترض، أخبرها أنه سيقضي معظم يومه خارج المنزل لم تعترض، حتى عندما بدأ يغيب عن المنزل ولا يعود سوى على وقت النوم لم تعترض، انتظر أن تظهر منها أية إشارة على لهفتها عليه ليكون بجانبها، كان يعود ويجدها في كامل زينتها نائمة لا شيء في رجوعه متأخرا، لا شيء تشعر به من هجره لها بمدد تصل لما يقرب من الشهر.

كانت هذه الحقيقة التي توصل لها عادل، أنه لا وجود له في حياة حبيبته، شعر أنه تسرع في الخطبة والزواج وأنه كان يجب أن يعرف حقيقة مشاعرها ولكن لا وقت للندم الآن.

بدأ عادل دوامة الدروس والمجموعات ليهرب من واقعه المرير، وحياته التي أساء فيها الاختيار وأحب فيها قلبه من لا تستحق الحب ولكنه القدر. ومنذ عامين تعرف على والدة احدى الطالبات شابة أرملة ولكنها صغيرة السن كانت آنذاك في التاسعة والعشرين من عمرها وكان هو في الثلاثين من عمره، والحقيقة أنه تعجب أن تكون أم احدى طالبات الثانوي في هذا السن.

تعرف عليها أثناء قدومه لإعطاء ابنتها الدرس، اسمها ندى تزوجت وهي في سن الخامسة عشر من ابن عمها –هكذا كانت تقاليد عائلتها –ولكنه توفي فجأة بسكتة قلبية أودت بحياته وهي في العشرين من عمرها، وترك لها ابنة وحيدة هي ضحى.

كانت ضحى عندما تعرف عليها وعلى والدتها في الصف الأول الثانوي، وهي الآن في الصف الثالث الثانوي، عامان مرا على تعرفه على ندى وعام ونصف العام على زواجه منها، هي الآن تحمل في أحشائها أول طفل يرى النور يحمل اسم عادل.

كم كان عادل سعيدا عندما علم خبر حملها، رغم أنه هو من طلب من زهرة عدم الانجاب، كان ينتظر أن ترفض أن تعترض ولكنها كما عرفها لا رأي لها في أي شيء.

كان عادل ينتظر من زهرة أن يكون لها رأي وقرار في أي شيء يخص حياتها أو يخص حياتهما معا ولكنها لم تحاول أبدا أن تأخذ هذه الخطوة، حتى ألوان ملابسها وذوقها كانت في البداية من اختيار والدتها ثم أصبحت من اختياره هو.

كان عادل كثير التعجب من عدم ملاحظته أن زهرة لا شخصية لها، فهي تابعة لأي شخص يقود زمام حياتها -كانت أمها ومن بعدها هو-ولكنه تعجب من اخفائه خبر زواجه عليها؛ فهو يعلم أنها لن يكون لها رأي حتى لو آلمها ذلك، لن تصرح وستكتفي بالبكاء الصامت الذي عهدها عليه منذ أول مرة لمسها فيها.

هذه هي زهرة التي يعرفها، تفني نفسها في خدمة من يعولها، نعم من يعولها وليس من تحب؛ ففي رأي عادل أنها لم تحبه هي تزوجته –وهناك فارق كبير بينهما –ولكنه لا يعلم حقا هل كانت تحب والدتها، أم أنها كانت تفني نفسها في خدمتها لأنها هي من كانت تعولها بعد وفاة والدها؟ لم يعرف الإجابة؛ فزهرة كتومة لأقصى درجات الكتمان، لا يعرف أحد ما يجول بخاطرها ولا ما بداخلها، وهو لا يعلم إن كانت حزنت بالفعل على والدتها، أم أنها لم تشعر بفارقها.

هي تفني نفسها في خدمته وخدمة والدته –التي أصر هو أن تعيش معهم بعد زواج أخيه الصغير في شقة والده- وأصر أنه بما أنه أكبر أخوته أن تكون في رعايته. وبالطبع عندما أصبح يقضي معظم يومه خارج المنزل أصبحت زهرة هي المسئولة عنها، وعن رعايتها وحتى ذهابها للطبيب، ومواعيد الأدوية مسئولية زهرة وهو لا يعلم عنها شيئا. انتظر كثيرا أن تعترض زهرة أو تتذمر ولكنها لم تفعل أي منهما.

يعلم عادل كم تحب والدته زهرة، وكم عاتبته وتألمت عندما تزوج من ندى، حتى أنها رفضت أن تراها. وكم كانت ساخطة عليه عندما علمت حمل ندى رغم رفضه حمل زهرة. شعر عادل أن والدته لا تفهمه ولا تفهم ما يشعر به كرجل، ربما لو كان والده على قيد الحياة لشعر بما يشعر هو به ورحب بزيجته الثانية وباركها.

كان عادل يشعر أن ندى على النقيض في كل شيء من زهرة، فندى انثى كما يجب أن تكون الانثى –هكذا كان يراها عادل –فهي تهتم بنفسها إلى أقصى درجة وتعتمد على نفسها في كل شيء كثيرا ما تعترض على قراراته بل وتناقشه فيها لتقنعه برأيها هي.

حتى عندما طلب منها عدم الانجاب طاوعته في السنة الأولى لاقتناعها أن كل منهم لابد أن يعطي نفسه فرصة التعرف على الطرف الآخر ولكن عندما اطمأنت إليه وإلى حبه لها وحبها له أصرت أن يكون لها طفل منه –وكم كان يتمنى أن يرى ذلك الإصرار من زهرة-وفي النهاية استجاب لها وفعلا حدث الحمل.

بعد زواج عادل اعتذر عن المجموعات وبعض الدروس وأبقى على مجموعة من الدروس التي تساعده على أن يفتح بيتان على نفس المستوى من الرفاهية وكان طلب ندى أن يقضي معها الليل حتى الساعة الثانية عشرة ليلا ثم ينام إذا أراد مع زهرة واستجاب لها عادل.

كان يشعر أنه كالمنوم مغنطيسيا مع ندى، يلبي لها كافة طلباتها. وكيف لا يفعل وهو يشعر معها أنه رجل كامل الرجولة. كم كانت تسعده آهاتها وهي معه وعنادها لكلامه ومناقشته في كل قرار يأخذه. كان كثيرا ما يقارن ذلك مع زهرة وتصرفاتها ويجد أن المقارنة تذهب في صالح ندى، كان ما يقلق عادل في تلك الفترة، وبعد حمل ندى، إصرار ندى على أن تعلم زوجته الأولى بأمر زواجه الثاني وحمل الزوجة الثانية.

وكان قلقا من وقع ذلك الخبر على زهرة، فرغم أنه يكره منها طاعتها العمياء وبرودتها معه، هو يحبها بل ويعشقها ويخشى جرحها. كم كان يحتار في نفسه كيف يحب ندى وزهرة لاختلافهما وكيف يحب من زهرة ما يكرهه فيها، ولكن كما قالت والدته أيضا من حقها أن تعرف أنه تزوج ولكن كيف سيفعلها؟

الأربعاء، 8 أبريل 2015

تابع المتمردة - الفصل الأول


كانت تقضي زهرة معظم وقتها بعد عودتها من عملها في حجرتها، فهي تأتي من العمل تتأكد من أن والدة زوجها تناولت أدويتها وطعامها، وتدخل حجرتها تعد دروس اليوم التالي، ثم تراجع على حفظها من القرآن، وبعد ذلك تفتح اللاب الخاص بها تتصفح الأخبار وتدخل على حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي.

كانت تشعر بوحدتها تزداد يوما بعد يوم، لم تكن تعرف السبب ولم تفكر أو تشغل نفسها يوما بالبحث عن سبب ذلك. كانت كثيرا ما تقف أمام المرآة تنظر لوجهها وجسدها. وتتساءل أليست جميلة، أبها عيب ما يبعد عنها زوجها، ثم تضع مساحيق التجميل وتتأمل نفسها وتنتظر وتنتظر رجوع زوجها من الدروس حتى تيأس من رجوعه فتخلد للنوم.

لم تشعر يوما وهي بين يديه أنها أرتوت منه وانتهت ولكنها كانت تخجل أن تصرح بذلك له، كانت تشتاق لكلمة غزل تصف جمالها، تشتاق لنظرة حانية منه ولكنها تخجل أن تعلن عن ذلك، تتمنى أن يحتضنها لتذوب فيه عشقا ولكن تخاف أن يسيء الظن بها.

كانت أحيانا تسأل نفسها عن سبب انشغاله الدائم عنها، عن سبب عزوفه عنها وعن ممارسة الحب معها، أهو الملل؟ ولكن أي ملل وهي لم يمض على زواجها أربعة أعوام. بعد زواجها بشهر واحد بدأ عادل مشوار البحث عن الدروس حتى يوفر لها الحياة الكريمة التي تليق بها. ولكن منذ أول يوم وهي تشعر أنه عندما أنهى رغبته أصبح شخصا آخر، ولم تدر ما السبب ولكنها خجلت من أن تحادثه.

لا تنسى زهرة ذلك اليوم، منذ ما يقارب الأربعة أشهر تقريبا، الذي كانت تفتح فيه هاتف زوجها –عندما فتحته على أنه هاتفها على سبيل الخطأ –ووجدت هذه الرسالة

" عادل حبيبي اسفة مش ح ينفع تيجي النهاردة أنا مشغولة جدا"

كانت هذه الرسالة من نمرة دون اسم، لم تجد الجرأة التي تجعلها تسأله عن صاحبة الرسالة ولا معنى هذه الجملة، أكانت خائفة من الحقيقة، هي تعلم أنه لن يخونها ولكن قد يتزوج عليها، ولكن جل ما كان يشغلها هو لماذا؟

ولكنها تعي أنها منذ ذلك الشهر وهي أصبحت زهرة أخرى غير التي تعرفها، كثر ذهابها للنادي، فأصبحت تذهب يوميا للنادي تجري حتى تنهك قواها، ثم تذهب للمنزل تقوم بطقوسها المعتادة، حتى إيقاظ زوجها ليتناول طعامه معها صباحا والنزول للعمل.

وفي احدى المرات أثناء تصفح موقع الفيسبوك وجدت مجموعة تسمى "نساء حائرات" جذبها اسم المجموعة وقررت الانضمام لها، ومنذ ذلك الحين وهي تتابع المجموعة وجدت مشكلة تشبه مشكلتها وتابعت الموضوع بشغف حاد، ولأول مرة قررت أن تشارك فكتبت

" أول مرة أشارك في حياتي في موضوع منشور ولكني عندي نفس المشكلة وقررت أن أرد على الخيانة بالخيانة، انتظر أرائككم"

 

لم تكن تريد حقا أن تكتب ما كتبته، ولكنها لم تعلم أن ذلك كان بداية تمرد الأنثى بداخلها على أوضاع تنتهك أنوثتها، الأنثى بداخلها أعلنت التمرد والعصيان –حتى التمرد على زهرة نفسها. كانت تلتمس آلاف الأعذار له في غدره بها، ليس حبًا ولكن حفاظًا على كبريائها.

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

(المتمردة- الفصل الأول)


استيقظت زهرة في الصباح الباكر كعاداتها كل يوم حتى تذهب لعملها، استيقظت في تمام الخامسة فجرا، وأيقظت زوجها عادل وأعدت طعام الإفطار لها وله حتى يتناولوا طعام الافطار قبل النزول للعمل.

زهرة في العام التاسع والعشرون من عمرها، ذات ملامح مصرية أصيلة قمحاوية البشرة متوسطة الطول، ليست بالبدينة أو النحيفة، ترتدي الحجاب وتحفظ القرآن الكريم. تخرجت من كلية الآداب قسم فلسفة، وتعمل مدرسة للفلسفة في إحدى المدارس الثانوية.

تزوجت من عادل زميلها في المدرسة، يدرس مادة الأحياء، يكبرها بثلاثة أعوام، هو أيضا ملامحه مصرية، عندما تراه في أي بلد أو أي مكان تقسم أنه مصري الجنسية. عادل له نفس صفات زهرة الجسمانية غير أنه أطول قليلا ومفتول العضلات، تراه فتيات المدرسة وسيما، وإنصافا للواقع هو أقرب ما يكون للوسامة ولكنه ليس عمرو دياب أو أحمد عز، كان ذلك رأي زهرة عندما سألتها عنه والدتها بعد أن تقدم لخطبتها، هكذا كانت هي تراه.

عادل مدرس حازم مع طالباته، يتقن عمله في المدرسة ويراعي الله في عمله، يعطي دروس التقوية ومجموعاتها، طيب القلب يعشق زهرة من كل قلبه ولكنه بسبب الدروس والمجموعات نادرا ما كان يستطيع أن يحادثها إلا في وقت الافطار الذي يتناولانه على عجل.

أما زهرة فهي خجولة بطبعها، شديدة الحياء، تراعي الله في طالباته وعملها، تعطي بعض مجموعات التقوية ولكنها تعتذر عن الدروس نظرا لانشغالها بأعمال المنزل ورعاية والدة عادل التي تقيم معهما.

الحالة المادية لهما تجعلهما من الطبقة الوسطى الأقرب للأغنياء، لدى كل منهما سيارة خاصة به ورصيد بنكي، وخادمة تراعي شئون المنزل أثناء غياب زهرة. اشترك لها عادل في أحد النوادي الكبيرة ولكنها نادرا ما كانت تذهب هناك لأنها دائما تذهب وحدها؛ نظرا لانشغال زوجها بالدروس الخصوصية.

رغم انشغال زهرة الدائم في العمل والمنزل والخروج، إلا أنها دائما ما تشعر أنها وحيدة، ليس لها أصدقاء، نظرا لخجلها وانطوائها. تربت زهرة منذ نعومة أظفارها على العزلة والانطوائية، هي وحيدة والداها.

توفى والد زهرة وهو عائدًا من عمله على العبارة السلام. كان يعمل في المملكة العربية السعودية وكان عائدا على متن العبارة. ومنذ ذلك الوقت ووالدتها كرست لها حياتها، كانت هي الوالد والوالدة كانت لها كل شيء. لم تتزوج والدتها وقررت أن تهب حياتها لابنتها وكانت لها كل شيء، وكانت زهرة تحب والدتها جدا فكانت لها الوالدة والصديقة، ومنذ وفاة الوالد لم تكوِّن زهرة أية صداقات واكتفت بوالدتها ودروسها، كانت حياتها تمضي بقرارات والدتها.

اختارت لها الوالدة كل شيء في حياتها، الحجاب وحفظ القرآن، حتى في الثانوية العامة اختارت لها القسم الأدبي. لم تعترض زهرة أبدا على قرارات والدتها، اعتقادا منها أن أمها تعرف أفضل منها في كل شيء.

اختارت لها أمها الكلية أيضا، والمدرسة التي تلتحق بها للعمل بعد التخرج، وأخيرا اختارت لها زوجها الذي تزوجته، توفت والدتها بعد زواجها كأنها كانت تنتظر أن تتم رسالتها مع ابنتها لتفارقها وهي كنف رجل مسئول عنها، شعرت الأم بحبه لابنتها فأبت إلا أن تزوجها له؛ رغم أن أحواله المادية لم تكن كما هي عليه الآن، وقبل وفاتها جعلته يقسم لها أن يراعي ابنتها ولا يجعلها تحتاج لشيء أو أحد من بعدها.

ولإيمان زهرة المطلق بحب والدتها لها، وقدرتها على الاختيار لم تتذمر من شيء ولم تعترض. وعندما تزوجت، لم تعترض أيضا على أي من قرارات زوجها، ولكنها لم تكن تحبه أو تكرهه ولا تعرف لماذا. كانت تشعر أن هناك حائل ما بينهما؛ رغم أنها لم تصرح بذلك يوما.

الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...