الخميس، 12 فبراير 2015

ضياع (الفصل الخامس عشر: ألبوم الذكريات)



الآن
لم تعلم رضا لماذا ظلت تبحث في أدراج الدولاب عن صورها القديمة ،التي طالما احتفظت بها كوثر. لقد أرادت أن تبحث عن هذه الصور لا تعلم هل هو الاشتياق للأيام الخالية التي مرت عليها قديما، أم أنه الحنين لملمس الصور التي أصبحت الآن تظهر على شاشة هاتف أو كاميرا رقمية. لقد وجدتها أخيرا وجلست وحدها في الغرفة تنظر إليها وتشرد لتتذكر ذكريات هذه الصور ولم تشعر بفارس عندما دخل عليها الغرفة
فارس: الجميل سرحان في ايه؟
رضا: في الصور القديمة دي، انت شوفتها قبل كده؟
فارس: طب وريني الأول عشان أعرف
ضحكت رضا عندما أدركت أنها تداري الصور في حضنها، وأنها تحتضنها كما تحتضن الأم وليدها، وأن فارس رغم جلوسه بالقرب منها على الفراش لا يستطيع مشاهدة هذه الصور. استدركت رضا الأمر واعتدلت في جلستها بجانبه ولكنه احتضنها وطوقها بذراعه وأخذ يشاهد معها الصور وهي تحكي له ذكرياتها. صور عديدة كانت كل صورة منها تلخص مرحلة في حياة رضا وأسرتها، صورة لها قال لها برهان أنه أخذها لها عندما مشت لأول مرة وأخرى في حفل سبوع هادية وأخرى عندما دخلت المدرسة وصور لهم جميعا في رأس البر وجمصة وهي المجال المتاح أمامهم للمصيف في ذلك الوقت، وتوقفت رضا أمام صورة لوالدها قال لها أنها كانت في بداية زواجه من كوثر كان يضحك في هذه الصورة وكانت تشعر أن هذه الضحكة كانت صافية بالفعل خرجت من داخله لترتسم على وجهه ليضيء بها، وبكت رضا لاشتياقها لبرهان وشعورها بافتقاده وطوقها فارس بذراعيه وذهبت بفكرها قديما إلى أيام الطفولة والصبا
1993
نجحت رضا في المرحلة الثانوية وأخيرا سيتحقق حلم حياتها الذي أرادته كثيرا أن تتدخل الكلية التي تتمنى الالتحاق بها، هنّأ الجميع كوثر وبرهان بنجاح رضا والمجموع الذي حصلت عليه، فهذا المجموع لم يسبق أن حصل عليه أحد في كلتا العائلتين عائلة كوثر وبرهان. وفي هذه الفترة وبسبب كثر عصبية برهان وضربه لرضا أثناء المذكراة وخاصة في أيام الامتحانات قالت له احدى الجارات أن كثرة ضربه لرضا وهادية يجعل الناس تعتقد سوء سلوكهم وليس المذاكرة لهما فهما كبرتا الآن وأصبحتا في سن الأنوثة والضرب في هذا السن يعني أنهما سيئتا السلوك، عدل برهان بعد كلامها عن الضرب ولكن صوته العالي لم يهدأ بسبب عصبيته المفرطة حتى أنه في احدى نوبات التفتيش المستمر التي كان يقوم بها منذ وعت بناته على الحياة وجد مذكرات رضا وقرأها.
حين قرأ برهان مذكرات رضا ووجد شعور رضا وكلماتها بكرهه وكره كوثر لم يحتمل الكلام وتحركت في عينيه  لمعة تكاد تكون دموعا أو بريق الغضب لم تعرف رضا السبب ولكن بعدها تغير برهان مع رضا كثيرا أصبح أقرب لها ويحاول الاستماع لها والكلام معها لقد اقتربا كثيرا منذ قراءته لمذكراتها. فرحت رضا كثيرا بقرب برهان منها وأصبحا أصدقاء ورغم أنها تعرف أن طباع لن تتغير ولكنها قررت التعامل مع هذه الطباع وهذا الشك الأزلي في أي أنثى.
تعرف رضا أن برهان تعود على الأنانية وأن تكون رغباته أوامر يتنافس الجميع على تحقيقها وحاولت أن تسير ضمن هذا الركاب وأن تكون واحدة ممن يتسابقون لإرضائه فهو والدها وأصبح بقربه منها كل ما لها، اكتشفت أنها تحبه كثيرا ولكن رغم قربهما الشديد لم يتغير احساس رضا باليتم وإن كان قد انسحب من الساحة إلى حين.
1997
تخرجت رضا من الجامعة وكانت هادية تقترب هي الأخرى من إنهاء جامعتها أما إيمان فكانت في الثانوية العامة في ذلك الوقت. عملت رضا مباشرة بعد تخرجها من الجامعة موظفة حكومية ولكنها لم ترضى بالوظيفة فبدأت بالدراسة مرة أخرى في مجال اللغات لتعمل به ولكن برهان رفض ذلك ووجد أن أي شخص يتمنى العمل الحكومي، وانصاعت رضا لعدم تمكنها من تغيير الأمر الواقع.
بسبب المشاجرات والمشادات المستمرة بين برهان وكوثر والتي كانت تعاود الاشتعال من حين لآخر، رغم تعود كوثر على طباع برهان، ولكن يبدو أن الشجار بينهما كان عادة يخافا على تغييرها حتى لا يحسدهم أحد. كل واحدة من البنات قررت الهروب من ذلك، رضا قررت عدم الزواج وهادية قررت أن تتزوج أول طارق للباب لتهرب من رمضاء البيت، أما إيمان فقد كرهت البيت بمن فيه وقررت أن تبحث عن الحياة خارج المنزل مع صديقاتها.
كان قرار رضا بعدم الزواج لعدم رغبتها في الارتباط والزواج نابع مما رأته من مشاكل دائمة في بيت تعرفه، فعمتها مطلقة وأمها طُلقت مرتان وكذا أكثر من صديقة لها تزوجت وطُلقت. أصبح الطلاق يحيط بها من كل جانب فكان القرار بعدم الزواج هو خيارها الذي حاولت الدفاع عنه أمام رغبة كوثر في تزويجها. فكوثر مثل أي أم تشتاق لرؤية ابنتها زوجة وفي عصمة رجل يحبها ويحترمها، أرادت لهن كوثر الزواج من أزواج يكن لهن أزواج بمعنى الكلمة، على العكس من برهان.
كان برهان يرحب بقرار رضا بعدم الزواج حتى بدأت نساء العائلة تكثر الكلام حولها فبدأ الشك يساوره في أخلاقها أو أنها بعدم الزواج تداري على فضيحة ما، إلا أن رضا لم يثنيها عن قرارها بعدم الزواج أي شيء. لن تسمح لأي رجل مهما كان أن ينتهك حرمة حياتها، وأن يكون له السلطان عليها في أي شيء. لن تسمح لرجل أن يتحكم فيها وفي حياتها وما تحبه، كفى عليها أن برهان يفعل ذلك لن تسمح لآخر لا تعرفه ولا تعرف عنه شيء أن يفعل ذلك، لن تسمح لآخر أن يجعلها تحمل اللقب الذي يجعلها مطمعا في أعين الذئاب "مطلقة". لذا فكانت ترى لقب "عانس" هو وسام على صدرها، إذا كان لابد أن يطلق عليها لقبًا ما، حتى قابلت فارس.
أما هادية فكانت تبحث دائما عن الحب الذي طالما اشتاقت إلى وجوده في حياتها، كانت الأقرب لكوثر من أخواتها لذا عندما كانت تتحدث مع كوثر كانت تحلم أن تجد الحب الذي ضلت كوثر طريقه، ووضعها حظها –الذي لا تعرف كيف تصف –في طريق برهان.
بعد بداية عمل رضا، كانت إيمان في المرحلة الثانوية وكانت كوثر تريد أن تزوجها بأي طريقة كانت، وتقدم أحد الجيران لخطبة إيمان، لم يكن وضعه الاجتماعي أو الدراسي مناسبا لإيمان وتوقعت رضا رفض برهان لهذا الطالب، ولكن برهان لم يفعل. استغربت رضا الأمر وطالبته برفض الأمر برمته وحاولت مع والدتها أن تفعل. إن طالب يد أختها الصغيرة لم ينه تعليمه واكتفى بالتعليم المتوسط وأختها في الثانوية العامة وسوف تدخل الجامعة، وسنها لا يؤهلها أن تختار في هذه المرحلة، ولكن لا حياة لمن تنادي وخطبت إيمان خطبة لم تدم سوى أشهر معدودة انتهت مع دخولها الجامعة. حيث اكتشفت إيمان عدم التكافؤ بينها وبين خطيبها فأسرعت بإنهاء الخطبة التي لم يكن لبرهان رأي في بدايتها أو نهايتها. وسرعان ما تقدم أحد أقربائهم لإيمان ليتقدم لخطبتها، وافقت عليه إيمان كانت هي في الجامعة وهو أنهى دراسته الجامعية وعمل في احدى الشركات، لم تكن رضا ترتح له ولكن لم تتكلم، خاصة أنها وجدت أختها تحبه بشدة.
لم تقل رضا لأختها أن هذا الذي يدعي حبها الآن كلم هدى ابنة عمتها ليتقدم إليها ولكن آثرت الصمت حتى تتحقق من صدقه في حب إيمان، ولكن الأقنعة سرعان ما تقع عن الوجوه، ظهر طمع الخطيب في برهان، ولكنه لم يتحمل سوء طباع برهان من عصبية وسوء تقدير للأشخاص والمواقف، ولكنه تسبب في جرح كبير لإيمان كان على رضا أن تتدخل لتشفي جرح أختها. ومر الموقف ومرت الأيام وشفي جرح إيمان وقررت التركيز على كليتها ودراستها وأن تنسى الحب والارتباط فالرجال كلهم لا يستحقون سوى القتل أو الحرق.
2000
كان فارس بالفعل هو فارسها، فارس أحلامها الذي كانت تعتقد أنه غير موجود في هذه الدنيا، وأنه موجود فقط في الأفلام وقصص الحب التي كانت تحب أن تقرأها دوما. كان بالنسبة لها الأمان الذي لم تشعر به قط في حياتها، دخل حياتها صدفة وتحمد الله أنها قابلته في الوقت المناسب وأنه أصبح زوجها. كان فارس يفهمها بمجرد النظر إلى عينيها، كانت تقابله وتخرج معه في بداية تعارفهما كانا أصدقاء، وكانت تشعر نحوه براحة وأمان تجعلها تحب التواجد معه، لم تدرك وقتها أنه الحب حتى تزوجا وعرفت كم كانت محظوظة عندما اختارته ووقفت في وجه والدها تدافع عنه عندما قال لها أنه في مقتبل حياته وسوف تشقى معه ولكنها وافقت عليه وتمسكت به، ساعدها أن برهان لم يكن يأخذ قرار يخص زواج بناته، هن المسئولات عن الاختيار والسؤال عن الزوج المرتقب.
بالطبع تهرب برهان من جهاز ابنته وقال لها أنها تعمل وبالتالي هي المسئولة عن تجهيز نفسها وهدية منه سيشتري لها غرفة من الجهاز أما الباقي فمسئوليتها هي، ووافقت وتمت الزواج.
2002
كان زواج رضا فاتحة الخير على أخواتها حيث تعرفت هادية على محمود وكان صديق فارس، كان محمود يبحث عن زوجة يحبها ويكون لها كل شيء وتكون له كل شيء، زوجة تؤسس له الأسرة التي طالما حلم بها وتصبر معه على الحياة بحلوها ومرها وكانت هادية هي من يبحث عنها، منذ رآها أول مرة دخلت إلى قلبه وشعر أنها من يحب أن يكمل معها مشوار حياته وهي أيضا شعرت أنه فارسها وفارس الأحلام الذي طالما حلمت به أحبته بشدة وتزوجته وهي حتى الآن تحمد الله أنهما تزوجا.
2003
في أخر سنة في الجامعة، وجدت إيمان أمجد زميلها يطلب منها التحدث على إنفراد ولم تكن تلك عادته. استمعت له إيمان وفوجئت منه يفاتحها بحبه لها ورغبته في الزواج منها، لم ترد عليه إيمان ولكنها قالت له أنها أغلقت قلبها منذ جرح قبل ذلك، وطلبت منه مهلة للتفكير وكلمت رضا وطلبت أن تقابلها بعيدا عن برهان وكوثر
رضا: خير يا إيمان في إيه يا حبيبتي، قلقتيني
إيمان: مفيش يا رضا بس أمجد زميلي اتقدم لي وأنا مش عارفة أقوله ايه
رضا: انتي بتحبيه يا إيمان
إيمان (وقد تغير وجهها عندما تذكرت من جرحها): أنا نسيت الحب من زمان وانتي عارفة
رضا (اقتربت من أختها وطوقتها بذراعها): مش عشان تجربة فاشلة ننسى حياتنا، لازم تفكري في حياتك يا بنتي، انتي رأيك فيه ايه؟
إيمان: شاب كويس ومحترم ومن الشلة بتاعتنا وعارف كمان حكاية الحب الفاشلة دي
رضا: بصي يا حبيبتي دا ما كانش حب، انتي كنتي لسه صغيرة ومش فاهمة وهو كمان كان طماع ولما ما عرفش ياخد من ابوكي حق ولا باطل انتي اللي دفعتي التمن.
إيمان: مش عارفة أعمل ايه، ولو ماما سمعت أو شمت خبر ح تمسك فيه، وابوكي لا ح يقول اه ولا لأ ما انتي عارفاه مش بيحب يتحمل مسئولية اي حاجة او اي قرار
رضا: خلاص، لو انتي موافقة من حيث المبدأ خليني اقابله واقولك رايي فيه، واقولك اذا كان مناسب ولا لأ
إيمان: خلاص اتفقنا، بس جوزك مش ح يزعل
رضا: لا ما تخافيش، تحبي تروحي النهاردة ولا تطلعي من عندي على الكلية على طول
إيمان: لا خليني بايتة عندك أحسن
قابلت رضا أمجد وتحاورا معًا وأحست كم يحب إيمان حتى قبل قصة حبها الفاشل وقالت رأيها لأختها ولكنها طلبت منها أن تعطي نفسها فرصة حتى تتأكد أنها نست القصة القديمة حتى لا تظلم شخصا آخر معها، وبالفعل وجدت إيمان نفسها تحب أمجد، لأنه كان فارس الأحلام الذي طالما تمنته في خيالها.
أما كوثر فبعد زواج بناتها شعرت أنها حازت الدنيا كلها، وكان كل ما يؤلمها هو أن ابنتها الكبرى عاقر، لن تسمع كلمة ماما من أحد مثلما سمعتها كوثر وكذا هادية وإيمان ولكنها سلمت لقضاء الله وقدره.
الآن
فارس: رضا رضا، مالك روحتي فين
رضا (الدمع يترقرق في عينيها): مفيش يا فارس سرحت شوية بس روحت فيها بعيد
احتضنها بقوة ومد يده تمسح دمعة سقطت من عينيها تبعتها شلالات من الدموع، حزنا على فراق والدها وابتعاده عنهن، وخاصة بعد أن عرفت أن المحامي الذي يتصدر لقضايا والدها هو نفسه من جرح قلب ابنته يوما ما عندما كان طامعا فيما يدخره برهان.

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

ضياع (الفصل الرابع عشر: الشقة)




جلست كوثر في شرفة المنزل ترتشف الشاي وتنظر في السماء لتتذكر كل ما عانت منه حتى حصلت على هذه الشقة، شتقتها، وعادت بالذاكرة منذ وفاة حماها
أغسطس 1979
بعد إنتهاء مراسم عزاء والد برهان واجتمع برهان وزوجته الحامل وأخته تفيدة وابنتها، عاد الجميع منهك ومتعب بعد عناء ثلاثة أيام متواصلة من العزاء. وبعد مرور أول أيام الخميس على والد برهان طلبت منه تفيدة أن يجد مسكنا آخر له ولزوجته؛ لأن المنزل الآن ليس منزل والده وإنما أصبح من حقها أن تعيش فيه باعتبارها الأنثى والمطلقة، التي ليس لها مكان آخر تذهب. على العكس من برهان؛ فهو الرجل المسئول عن إيجاد مسكن له ولزوجته، وإذا أراد أن يعيش معها في الشقة فيجب أن يدفع مقابل ذلك نفقات المعيشة في المنزل. حيث إن تفيدة لن تتحمل عبء منزل تعيش فيه أسرة كبيرة. وعلى كوثر أن تعلم أنها المسئولة عن شئون المنزل من طعام وشراب ونظافة وأن تفيدة ليس عليها أية مسئوليات تخص المنزل لا من حيث النفقات أو مراعاة شئونه أو مراعاة شئون ابنتها، وبخصوص ولادة كوثر فعلى برهان أن يجد لها مكان تعيش فيه حتى ولادتها وتعافيها فهي لن تخدم أحد.
فوجئ برهان من كلام تفيدة، فهو أول مرة يسمع منها هذا الكلام كما أن هذه شقتهم جميعا فعلى الجميع أن ينفق على البيت ويتحمل مصاريفه. فإذا كانت تفيدة بخيلة فهو ليس له مدخرات كثيرة مثلها؛ فهي سافرت ومعها من المدخرات ما يكفيها ويمكنها من الإنفاق على المنزل. وبخصوص كوثر إنها على وشك الولادة إنها الولادة الثانية فكيف ستتمكن كوثر من العمل ومراعاة الأولاد وكذلك شئون المنزل وهدى وتفيدة، فهي لن تصمت على هذا الوضع ولقد تركت له المنزل سابقا بسبب تفيدة وتصرفاتها، ولكن إذا تركت المنزل هذه المرة فالجميع سيطالبه بمصاريف الحامل والطفلة التي على يديها.
وهنا وقف الكلام على لسانه، سيضطر أن ينفق على كوثر وولادتها وابنتها أو يضطر للانفاق على كوثر وولادتها وابنتها وتفيدة وابنتها مقابل إقامته في شقة والده. لم يعجب هذا الوضع برهان فهو يعرف أن الشقة من حق الولد، آخر من تزوج من الذكور وتزوج في الشقة وبالتالي فهي حقه هو، ولكن إذا أرادت تفيدة أن تعيش فيها وحدها عليها إذن أن تدفع من مدخراتها –التي تكفيها حتى انقضاء الأجل –مقابل أن يجد شقة أخرى ليعيش بها ولتجنب المشاكل مع كوثر وتفيدة التي أصبحت المقرر اليومي لهم منذ إنهاء تفيدة عملها بالخارج وعودتها للإقامة بصفة دائمة في مصر.
ولكن كوثر تذكر أن المشاكل وصلت بين برهان وتفيدة أن حررا العديد من محاضر الشرطة بينهما ودفعت له تفيدة مبلغ لا يذكر مقابل أن يترك لها الشقة ويبحث عن أخرى، في هذه الأثناء بحث لها عايش عن شقة أخرى بالقرب منهم حتى تتمكن عبير من مراعاة كوثر في ولادتها وبعد ذهابها للعمل، حيث إن عبير لم تتزوج بعد وأيضا لم تجد عملا وأصبحت تشعر بالوحدة خاصة بعد زواج أمينة ووفاة والدتها، وبالتالي فكون كوثر بالقرب منها أصبح أمل أن تجد المتنفس الذي تغير به من روتين يومها المعتاد، وبالفعل نجح عايش أن يجد شقة بالقرب منه لتعيش بها كوثر عبارة عن حجرة واحدة وصالة ومطبخ وحمام. فرحت كوثر بها رغم صغرها لأنها ستكون مملكتها الخاصة التي ستعيش بها.
انقطعت علاقة برهان وتفيدة منذ أن حصل من تفيدة على مقابل ترك الشقة وتحرير محاضر متبادلة لعدم التعرض وتسجيل التنازل عن الشقة وتحويل عقد إيجارها باسم تفيدة حتى لا يعاود برهان الكره بطلب مقابل ترك الشقة، فتفيدة تعرف مقدار حب برهان للنقود؛ لذا أرادت صد هذا الباب نهائيا وغيرت عقد الشقة وكانت آخر علاقة برهان بأخته مشاجرة كبيرة انتهت في قسم الشرطة، حتى الآن لم تعلم أسباب هذه المشاجرة.
أنجبت كوثر ابنتها هادية في شهر سبتمبر 1979 واستقرت في هذه الشقة تساعدها أختها عبير حتى زواج عبير بعد ذلك بعامين، اعتادت فيهما كوثر أن لها بنتان ترعى شئونهما لا يعيرهما برهان أي اهتمام لا لذنب جنوه سوى أنهما بنات وأنهما بنتاه.
1981
بعد مرور أعوام على معيشة كوثر مع زوجها على حاله المعتادة من أنانية وترك كل شيء على كوثر، وادخاره للنقود على حسابها، قررت أن هذه الشقة أصبحت صغيرة عليهم فالآن لديها ابنتان تحتاجان لحجرة خاصة بهما لكبرهما كما تحتاج حجرة أخرى لها ولزوجها، فلن تسمح أن تظل البنات تنام في الصالة خاصة في الشتاء. بسبب سوء تهوية الشقة أصيبت رضا بحساسية الصدر؛ خافت كوثر على البنات وطلبت من برهان شقة أخرى أكبر لتعيش فيها ويكون للبنات حجرة منفصلة وجيدة التهوية، فهي لا تتحمل تعب رضا ولا تتحمل عدم قدرتها على شراء علاجها وإهمال برهان صحتها لهذا الحد.
ما كان من برهان إلا أنه ادعى الفقر وقلة الحيلة، طالبته آن ذاك بشبكتها التي أخذها منها بعد زواجهما بأسبوع على وعد السداد مرة أخرى ليقيم حفل لعيد ميلاد ابنة أخته، فقال لها أن هذا المبلغ وضعه بالفعل في هذه الشقة.
كوثر: برهان هات فلوس شبكتي، اتصرف واكمل عليها واجيب شقة تانية العيال ح يروحوا مني
برهان (بلا مبالاة): ما يروحوا في داهية، وبعدين شبكة ايه، أومال كنت ح أجيب الشقة دي منين عشان ألمك فيها انتي وبناتك
كوثر (باستغراب): يعني الشقة دي بتاعتي ولا ايه مش فاهمة؟
برهان (بعصبية): بتاعتك منين، هو مين اللي اشترا الشبكة دي، بفلوس مين ما فلوسي أنا انتي عايزة منها ايه
كوثر : الأصول والعرف بيقول إنها هدية العروسة من العريس
برهان: وأنا مش عايز أجيب لك هدايا، فلوسي وأنا حر فيها
وكاد برهان أن يضرب كوثر بعد أن علا صوت مشاجراتهما، واجتمعت الجيران لتهدئة النفوس، وهنا قررت كوثر أن تبحث عن شقة أخرى تستطيع أن تعيش بها البنات، وأيضا لا تسبب المرض لهما كما حدث مع رضا.
وبالفعل سألت كوثر عن الشقق وأسعارها، واستطاعت بعد الاشتراك في جمعية في العمل والاقتراض من زملائها أن تحصل على مبلغ خلو لشقة مكونة من ثلاث غرف تكفيها وتكفي البنات، وبالفعل قامت بذلك واخذت مقابل ترك شقتها التي تسكن فيها وأجرت الشقة الكبيرة التي تكفيهم وكانت باسم برهان، فهي لم يخطرعلى بالها قد أنها يمكن أن تترك هذه الشقة. ومرت الأيام واكتشفت كوثر حملها الثالث، وأنجبت إيمان ثم كان ما كان من أمر طلاقها الثاني. هنا شعرت كوثر بخطئها حيث أنها استجابت لبرهان في كتابة عقد الشقة باسمه ولكن برهان لا أمان له. فبعد أن ردها لعصمته مرة أخرى أصبحت تخاف أن يتركها في أي وقت وظلت تفكر في حل لذلك الوضع.
1990
كانت البنات قد كبرن ودخلن في مراحل البلوغ والمراهقة، وكان حال برهان من معاكسة الفتيات وزميلات كوثر في العمل كما هو، وكذا بخله الشديد وعصبيته وترك كل شيء على كوثر لإنجازه، ولكن كوثر لكثرة مشاجراتها مع برهان وخوفها من الطلقة الثالثة والتي ستكون الأخيرة ألا تجد لها مكانا يؤويها، لذا استغلت لحظة صفاء واقنعت برهان بضرورة البحث عن شقة أخرى بجانب هذه
كوثر: ياه يا برهان البنات كبرت وقرب يجيلها العدل
برهان: فعلا يا كوثر البت رضا خلاص في ثانوي أهي العيال كبرت
كوثر: طيب مش واجب بقى نشوف شقة كويسة كده عشان العدل لما يجي يبقى فيه شقة برحة وحلوة كده يعيشوا فيها
برهان: ودي مالها بس يا كوثر
كوثر: دي كويسة بس صغيرة برضه، اه هي 3 أوض بس الأوض صغيرة وبالعافية العيال عارفة تنام. نخلي دي وندور على شقة حلوة كده تكون مساحتها كبيرة عشان لما يجي العدل يبقى المكان يشرف
برهان: عندك حق يا كوثر بس ازاي ؟
كوثر: يا برهان ما انت محوش كتير مش ح تعرف تتصرف في اي حاجة
برهان: محوش ايه بس، هو انتي ولا العيال مخليني اشيل حاجة
كوثر (بعد أن كتمت في نفسها ضحكة سخرية من برهان وكلامه وتظاهرت بتصديقه): مفيش مشكلة أهو حاول تستلف من هنا وأنا أحاول من هناك نجيب شقة، بس ليا طلب
برهان: خير عايزة ايه، بخاف منك لما تبقى طيبة قوي كده
كوثر: نخلي عقد الشقة باسمي
برهان: ليه على اساس اني جوز الست ولا انا عويل
كوثر: بعد الشر عنك، مين اللي قال كده، شقتك اهي موجودة زي ما هي محدش ح يجي جنبها وبعدين انت عارف بعد ما عايش اتجوز في شقة بابا الله يرحمه انا ماليش مكان اروح فيه، وانت يا برهان بخاف منك كلمة طالق بتكون على طرف لسانك في كل مشكلة وببقى خايفة تنطقها
برهان: يا كوثر احنا كبرنا خلاص، انا عارف اني عصبي. بس انتي عارفة ضغوط الشغل والمفروض انتم اللي تستحملوني. عارف انك متضايقة من ساعة لما روحتي اخر مرة عند عبير وتقريبا جوزها طردك وكمان بصوا في الحاجة اللي بعتها سيف اخوكي للبت رضا عشان الدرجات العالية اللي بتجيبها في المدرسة
كوثر: ما تفكرنيش يا برهان، دي كانت مستكثرة الحاجة على البت وكمان مستكترة عليها التفوق
برهان: عشان تعرفي لولا ضربي وقسوتي عليهم ما كانوش نفعوا
كوثر: البركة فيك يا خويا، ما قلتش رايك ايه
برهان: بصي عايزة شقة باسمك ما عنديش مانع بس انا ماليش دعوة بيها انتي اللي ح تتصرفي في الفلوس بتاعتها ومن غير ما تاثري على مصاريف البيت
كوثر (بفرح شديد): تسلم لي يا برهان ربنا ما يحرمني منك
شعر برهان بالزهو الشديد، فنادرا ما كانت تجمعه لحظات سعادة وفرح في بيته ومع كوثر، ومن داخله كان يقدر بالفعل شعور كوثر بعدم الأمان الذي لم يكن يدري له سببا. ولكنه وافق على موضوع الشقة حتى تشعر بالأمان. فهو لا يريد ان يطلقها الطلقة الثالثة؛ فرغم كل شيء هو يخاف على بناته ويحبهن ولن يرضى أن يجد من يتقدم لهن أن أمهن مطلقة.
وبالفعل بحثت كوثر عن الشقة واستبدلت صندوق المعاش الخاص بها واقترضت من البنك واشترت الشقة وجعلتها باسمها إلا أن برهان بعد أن وجد الاستقرار في الشقة الجديدة أفضل وتنازل عن شقته لصاحب البيت وأصبحت شقة كوثر هي الشقة الوحيدة لهم جميعا وكان يرى برهان أنه هو صاجب الفضل على كوثر وأن هذه الشقة بتعبه هو لا هي وأنه تكرما منه تركها تكتبها باسمها .
وبعد الطلاق ظلت المناوشات بينهما حتى تمكنت كوثر في النهاية من شقتها التي وضعت فيها كما تحب أن تقول "شقى عمرها". عادت كوثر من شرودها على صوت فريدة ورحمة ينادونها "تيتة تيتة".

الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...