السبت، 8 فبراير 2025

الفصل الثالث عشر

 

وبدأت علياء تقص عليهن الحكاية، لقد ذهبت لعيادة دكتور حمدي وهو طبيب نفسي وصديق لهيثم، قصصت عليه الظروف التي مرت بها ميار ورفضها للخضوع للعلاج النفسي، ووافق حمدي على لقاء ميار في النادي حتى يرى بنفسه مدى سوء حالتها.

حمدي في الثامنة والثلاثين من عمره، قمحي البشرة، له شعر اسود فاحم مفلفل، طويل عريض المنكبين، له جسد رياضي وتعتبره الفتيات فتى أحلامهن، هو غير متزوج كرس كل وقته للعمل بعد قصة حب فاشلة بسبب سوء أحواله المادية آنذاك، وقرر بعدها عدم الارتباط حتى يحقق ذاته في عمله ويكون قادرا على تحمل نفقات الزواج.

أرادت ميار أن تخرج من دائرة القلق والتوتر فنادت على أم حامد لتتحدث معها عسى قلقها أن ينزاح عنها ويتركها في حالها سالمة

ميار: لماذا شهدتي معي ضد عماد بعد ضربه لي في المرة الأخيرة رغم علمك بطردك من العمل بعد تلك الشهادة؟

أم حامد: أنا يا أستاذة لدي بنات وأخاف عليهن إذا حدث لهن مثل ما حدث معك وساورني الخوف إذا كذبت أو سكت عن قول الحق أن يحدث معهن كذلك ولا يجدن من يقف معهن، فكما تدين تدان.

ميار: ما هي قصتك يا أم حامد منذ جئتِ للعمل لدينا وأنا لا أعرف عنك شيئا عدا اسمك

أم حامد: أنا يا أستاذة ميار سيدة كانت تعيش في بيت زوجها معززة مكرمة، اسمي فاطمة كما تعرفين، ولي منه ثلاثة أولاد هم حامد وبتول وبدور كنت سيدة في بيتي طلباتي مجابة رغم زواج زوجي من أخرى لم أعرف مشقة العمل بعد أن تزوجت، قبل زواجي عملت في الأردن أكثر من عمل لأنفق على اخوتي بعد إصابة والدي في عمله إصابة جعلته لا يستطيع العمل، وبعدها بدأ اخوتي الذكور في العمل للمساعدة على طلبات البيت، ثم رأيت زوجي حامد وطلبني للزواج ووافقت أسرتي على هذه الزيجة، كنا في الأردن في ذلك الوقت، ثم عاد زوجي لموطنه الأصلي مصر، كانت طلباتي مجابة ورزقت منه أبنائي حامد وبتول وبدور،  وكانت حياتنا رغدة بعض الشيء حيث كان زوجي صاحبا لورشة صناعة الحقائب الحريمي وانتاجه كله يذهب لشركة ذات ماركة معروفة وكنت أقطن مع والدة زوجي، ثم علمت بزواجه بأخرى، ورغم ذلك لم تتأثر حياتنا كثيرا بعد زواجه رحمه الله، حتى مات زوجي وأنا في الأربعين من عمري، بعد وفاته وقبل مرور فترة عدتي تقدم لي أخيه للزواج مني فرفضت وفاءً لذكرى زوجي وعندها طردني اخوة زوجي من المنزل وصرت أنا وأولادي في الشارع بلا مأوى وبلا مصدر للرزق إلا من نصيب زوجي في ورشة الحقائب كان لابد لي من البحث عن منزل نحتمي فيه من الشارع ومصائبه حتى وجدت شقة صغيرة ايجار جديد وبحثت عن عمل ولأني ليس معي سوى شهادة الصف الثاني الاعدادي من بلدي الأردن لم يعترف بها أحد هنا في مصر فكان العمل المناسب لي الخدمة في البيوت. عملت في أكثر من منزل ولكني لم أشعر بالراحة فكنت اترك العمل وابحث عن غيره حتى جئت للعمل لديكم لم ارتح لزوجك السابق ولم تعجبني طريقته المتعالية في التعامل ولكنك كنت على العكس منه فارتحت لكِ لذا أكملت في عملي معكم لقد كنت أشعر بالشفقة عليك من تعامل طليقك معك كلما سبك أو ضربك حتى ضربك في المرة الأخيرة هالني منظر الدماء وهي تتدفق من رأسك فطلبت الإسعاف وأنا اعلم علم اليقين أن المستشفى ستتصل بالشرطة وسيكون هناك محضرا بالواقعة وقررت أن أقف إلى جانبك وليكن ما يكون فالرزّاق هو الله ولي بنات أخاف عليهن

ميار: وهل يعمل ابنك أيضا؟

أم حامد: ابني هداه الله يجلس في البيت لا يريد العمل، كلما أتيت له بعمل يعمل يوم أو يومان ثم يترك العمل أعجبه الجلوس في المنزل مثل البنات مازال غير واعٍ لوفاة والده وتغير الظروف كل ما يجيد عمله هو طلب المال وإن رفضت يُكسر في المنزل ويعلو صوته وأحيانا يضربني، لا أدري ما الحل معه اخوة زوجي قالوا لا شأن لنا بأولادك واخوتي كلهم في الأردن

ميار: ولماذا لم تسافري لوطنك بعد وفاة زوجك؟

أم حامد: لو سافرت سأظل في البيت بلا عمل وسينفق عليّ اخوتي وهذا سيزعجك زوجاتهم أو يسبب لهم الضيق وأنا لا أريد أن أتسبب لهم في المشاكل كما لا أريد أن يتحكم أحد في أو في أولادي ولكني أفكر في السفر وترك ولدي لدى اخوتي ليتصرفوا معه كيفما شاءوا علّه يصبح رجلا

ميار: هؤلاء هم الرجال يظنون أنفسهم أفضل من النساء ومن واجب النساء خدمتهم

أم حامد: أزعجتك بكلامي الذي لا ينتهي، هل ترغبي في أن أحضر لك الحمام قبل أن أنصرف؟

ميار: يكون ذلك أفضل

دخلت ميار تأخذ حمامها الدافئ لتطرح عنها قلق وتوتر هذا اليوم وتفكر هل تتصل بحمدي أم لا؟ وإذا اتصلت به ماذا ستقول له؟ لا تعرف ولكنها تريد أن تعرف كيف عرف عنها كل ذلك وهو يراها للمرة الأولى

انهت حمامها وامسكت بهاتفها تطلب منه رقم حمدي فجاءها صوته على الخط الآخر يسأل عن هوية المتصل فأغلقت الخط دون أن تنبس ببنت شفة، واستسلمت للنوم لكي تذهب لعملها في الصباح الباكر.

التقت بي في العمل كل منّا ستعمل مع الأخرى في اصطحاب أحد الأفواج السياحية لمدينة شرم الشيخ، سألتني ميار عن حمدي وكيف واتته جرأته ليتحدث معها بهذه الطريقة وكيف عرف ما كان يفعله زوجها معها، تلعثمت في الرد عليها حتى حاصرتني ميار بأسئلتها فاعترفت لها بأن حمدي هو صديق هيثم وأنه طبيب نفسي؛ لذا من السهل عليه قراءة الأشخاص وردود أفعالهم. استاءت ميار أنني أخفيت عنها أن حمدي طبيب نفسي وكادت أن تنهي علاقتها بي حتى استسمحتها كي تغفر لي هذه الذلة.

تفهمت ميار كيف قرأها حمدي منذ اللحظة الأولى والطريقة التي كان ينظر بها إليها، ولكنها قررت أن تتصل به كي توبخه على إخفاء هويته وتطلب منه نسيان ما قيل بينهما في النادي، ففوجئت بحمدي يقول لها أنها مريضة وفي حاجة ماسة للعلاج واعطاها عنوان العيادة، كانت المفاجأة كفيلة بأن تسمع منه عنوان العيادة ولكنها عادت لرشدها وأغلقت الخط في وجهه وهي تقول إنها لن تذهب للعلاج فهي ليست بمريضة.

قبل ذلك بخمس سنوات

تقدم عماد ابن عم ميار للزواج منها وأجبرتها أسرتها على قبوله والزواج منه لأن الأسرة لا تفكر في ارتباطها من خارج العائلة، لم تحب عماد ولكنها تزوجته مجبرة وهو تزوجها إرضاءً والده ووالدته؛ فوالدته رأت أن وحيدها أتم عامه الثلاثين دون زواج ورأت أن ميار الأنسب له نظرا لطريقة تربيتها وأخلاقها التي يشهد بها الجميع، فرضخ عماد لرغبة والدته بعد أن رحب والده بهذه الزيجة. كانت ميار تبلغ من العمر ستة وعشرون عاما، كان عماد بالنسبة لها مجرد ابن عمها المتسلط، فمنذ كانوا صغارا كان يفرض رأيه على الجميع خاصة هي، يعتبر نفسه الوريث الوحيد للعائلة، فعمه لم ينجب ذكورا ووالده لم ينجب غيره؛ لذا اعتبر نفسه ملكا متوجا تلبى رغباته دائما، وهكذا كان يعامل من كلا الاسرتين. رفضته علياء كثيرا إلا أن والديها أصرا على إتمام هذه الزيجة ووجدت نفسها مجبرة على الزواج منه.

لم يتغير شعورها بعدم الانتماء والقهر بعد زواجها من عماد، فعماد متسلط، يفرض رأيه وسيطرته على كل شيء حتى الطعام الذي تأكله ميار، رغم أن المنزل به خدم وطهاة إلا أنه أجبرها على إعداد الطعام بنفسها في أيام إجازتها من العمل، هو من يختار نوع الطعام حتى وإن كانت لا تحبه، ولا يسمح بأصناف إضافية، تشعر أنه يعاقبها على زواجها به، عنيف في تصرفاته وكلامه، لم تسمع منه كلمة إطراء واحدة منذ زواجها منه. عاملها بمنتهى العنف والهمجية ليلة زفافهما، لم يرحم توسلاتها إليه ولا دموعها التي فاضت أنهارا، لم يتركها حتى انتهى منها وتركها ونام مستريح البال والخاطر ولم يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليها، ظلت ذلك اليوم متيقظة لا تستطيع النوم من شدة البكاء، تشعر كأنها فريسة تمكن منها الصياد ولم يتركها حتى ذبحها. لم يبارحها ذلك الشعور منذ تزوجت ولم يُقلق ذلك أبدا عماد الذي كان يحب نشوة الانتصار على الضحية في كل مرة يأخذها فيها.

مر على زواجها في ذلك الشقاء عامان ذاقت خلالها المرار بكافة أشكاله نفسية وجسدية، زاد على شقائها تساؤل أسرتها وأسرة عماد عن سبب تأخير حدوث الحمل، حيث لم يفطن عماد أنها استخدمت وسائل منع الحمل منذ الليلة الأولى لزواجها، لم ترد أن تنجب قبل أن تشعر بالراحة في بيتها مع زوجها وهو الشعور الذي غاب عنها منذ اللحظة الأولى لها في منزل الزوجية.

عندما تأخر الحمل أصر عماد على الذهاب لطبيب النساء ليعرف السبب، علم من الطبيب أن ميار تستخدم وسيلة لمنع الحمل، استشاط عماد غضبا وظل يضرب ميارً حتى وقعت على الأرض وهي فاقدة للوعي. تركها مكانها واتصل بعمه يخبره بما حدث عند الطبيب ويخبره ان ابنته طالق.

عندما استفاقت من اغمائها وجدت والديها في الشقة دون عماد كل منهما يوبخها على منعها للحمل الذي تنتظره العائلتين بفارغ الصبر ولم يكترث أحدهما لآثار الدماء والضرب على وجه وجسد ابنتهما وأصر الوالدان على اصطحاب ابنتهما لطبيب النساء لنزع وسيلة منع الحمل كما أصرا على عودتها لعماد مرة أخرى. رفضت ميار بكل ما أوتيت من قوة عودتها مرة أخرى لعماد، فما كان من والدها إلا أن ابرحها ضربا وذهب بها للطبيب لإزالة وسيلة منع الحمل، واتصل بعماد يخبره أن ميار نزعت وسيلة منع الحمل وأنهم في انتظاره لرد ميار لعصمته مرة أخرى، وبالفعل رد عماد ميار لعصمته مرة أخرى، ولم يحسن عشرتها بل كان يتحين أية فرصة ليهينها، يشعر أن كرامته أهدرت عندما رفضت زوجته أن تحمل في أحشائها طفلا منه.

لم تتغير معاملة عماد الجافة لميار، ثم حدث الحمل بعد ثلاثة أشهر من عودتها إليه، أجهضت ميار حملها دون أن تخبر أحدا، وحاولت أن تنتحر مرات عدة، ازدادت معاملة عماد سوءا لميار بعد محاولتها الانتحار وكان يضربها باستمرار ولم تؤثر فيه كلمات الطبيب في المستشفى أن ميار تحتاج بشدة لعلاج نفسي نظرا لحالة الانهيار التي تمر بها، ضرب بكلام الطبيب عرض الحائط وكان يعاقبها بالضرب إثر كل محاولة للانتحار، يشعر بهدر كرامته مع برودها معه ومحاولتها الانتحار للتخلص منه.

كان رفض ميار له منذ الليلة الأولى في زواجهما بمثابة طعنة له في رجولته أراد أن يعاقبها عليها. لم يفطن أن ما منع ميار منه في الليلة الأولى للزواج هو خوفها منه ومن الزواج عموما، ولم يشغل نفسه بمحاولة طمأنتها، ولأنه سئم من نفورها منه بدأ في علاقات محرمة متعددة، وفي كل مرة يأخذ فيها ميار يرى إحدى الساقطات اللائي يمارس معهن الرذيلة فيقع على ميار كما البهيمة.

كان رفض ميار الحمل منه طعنة جديدة في رجولته أراد معاقبتها عليه، كان الضرب والإهانة أسهل الطرق بالنسبة له للتعامل مع زوجته ويرى أن ذلك حق متأصل له وذلك لأنها زوجته يفعل بها ما يشاء وازداد عاقبه لها برمي يمين الطلاق عليها للإمعان في ذلها.

وكان في ذلك الوقت قد بدأ علاقة آثمة مع سها سكرتيرته في العمل، كانت لديها الأنوثة الطاغية التي تفقدها زوجته، التي شعر بالندم على زواجه منها لبرودها معه وصدها له، على العكس مما كان يلاقيه في علاقاته المحرمة الأخرى. وعندما اتصل به عمه ليرد ميار مرة أخرى لعصمته أقسم على ذلها بكل ما أوتي من قوة لتعلم النعمة التي تعيش فيها والتي كانت لا تحلم بها، فكفى بها أنها زوجته وأنه وافق على زواجه منها.

استسلمت ميار للأمر الواقع بعد مرور ستة أشهر على رجوعها لزوها مرة أخرى وعلمت بحملها مرة أخرى، كم عانت عندما علمت أنها تحمل في أحشائها طفلا سيكون امتدادا لمغتصبها، كم تألمت عندما أدركت أن هناك طفلا سيولد بلا أي ذنب جناه ليكون ابن عماد فزعت عندما تخيلت أن الجنين يمكن أن يكون انثى تعاني في حياتها ما عانت هي منه فأجهضت الحمل قبل أن يعلم أحد به. استسلمت جسديا لعماد لم تعطه جسدها بإرادتها ولكنها لم تعد تحاول الفرار منه كعادتها، واستراح هو لذلك الشعور ولكن برودها كان يزيد من نفوره منها يشعر أنه أمام امرأة بلا مشاعر باردة مثل لوح من الثلج، خاصة عندما يقارنها بسها سكرتيرته الجديدة التي يشعر أنها ذات أنوثة طاغية، كلما وطء زوجته تذكر سها فينهال برغبته في سها على جسد زوجته برغبة لا قبل لها بها ولكنه وسط رغبته الجامحة ومع برود ميار يعود ليرى ميار أمامه فينتهي منها ويشعل لفافة تبغ ويتمنى لو كانت سها مكانها.

مر عام آخر على زواج ميار توفى خلاله والدها عبد الهادي، لم تشعر ميار بالحزن على والدها، بل كانت تلعنه في نفسها آلاف المرات لِمَا أجبرها على التعايش معه، ولشدته وقسوته معها وتحمد الله أنه توفى، كانت تشعر أن دموع والدتها ليست حزنا على وفاة زوجها وإنما فرحا بعهد جديد من الحرية.

اكتشفت ميار حملها مرة أخرى بعد وفاة والدها مباشرة؛ فما كان منها إلا أن أجهضت نفسها قبل أن يعلم أحد بحملها، وأصرت على طلب الطلاق من زوجها الذي واجه طلبها بضربها بكل ما أوتي من قوة، فأخبرته بإجهاضها ولده لثالث مرة وأنها لا تطيق الحياة معه، خاصة وأنه يخونها وأنها تعلم ذلك منذ فترة ولكنها صمتت لعلمها أن أحدا لن يستمع إليها في أسرتها، ضربها عماد حتى فقدت الوعي وتركها وخرج.

في تلك الأثناء كانت أم حامد في المنزل، شعرت أم حامد بالإشفاق على ميار وخافت عليها خاصة عندما وجدت الدماء تتدفق من رأسها، اتصلت بالإسعاف الذي حضر وأخذها لأحدى المستشفيات العامة واضطرت المستشفى إثر آثار الضرب الواضحة على ميار وحالة النزيف للاتصال بقسم الشرطة لتحرير محضرا بالواقعة، بعدما استفاقت ميار وجدت نفسها في المستشفى ورأسها ملفوف بالشاش الطبي وحولها الطبيب يسألها عن حالها وبياناتها وأخبرها أن هناك ضابط شرطة ينتظر كي يكمل محضر الاعتداء بالضرب عليها، اتهمت زوجها بالاعتداء بالضرب عليها واستشهدت بالخدم في المنزل وتم تحرير محضر بالواقعة وتم القبض على عماد نظرا لأنها تحتاج لعلاج أكثر من واحد وعشرين يوما.

بعد تعافيها أخذت ميار رقم المحضر وصورة منه لترفع دعوى طلاق على عماد –دون علم والدتها حيث أقامت مع والدتها عقب خروجها من المستشفى ورفضت الرجوع لعماد مرة أخرى –مستندة للمحضر والحكم الذي صدر ضد عماد بالحبس بسبب اعتدائه عليها بالضرب، لم ينتظر عماد نظر القضية وطلقها غيابيا وأرسل قسيمة الطلاق على منزل والدتها.

فرحت ميار بخبر طلاقها من زوجها كثيرا ولكنها لم توقف إجراءات الطلاق في المحكمة خوفا من رده لها لأن الطلاق كان رجعيا، انتظرت حتى أوفت عدتها ثم تنازلت عن القضية فهو لم يعد قادرا على ردها لعصمته مرة أخرى.

أما عماد لم يفكر في ردها مرة أخرى بعد شعوره بنفورها منه وجرحها لكرامته وتسببها في حبسه مدة ثلاثة أشهر قضاها في الحبس. أصرت والدة ميار على مكوث ميار معها في المنزل وتركها لعملها بعد طلاقها إلا أن ميار اعترضت وتمردت على والدتها وتركت لها المنزل واستأجرت لها منزلا في المعادي وعاشت به وحدها مع أم حامد الخادمة التي أنقذتها من الموت، خاصة أن عماد طردها العمل بعد شهادتها ضده، خلعت ميار الحجاب الذي أجبرت عليه وأسدلت شعرها ليتمرد على حياتها كما تمردت هي، تبرأ منها عمها كما تبرأت منها والدتها وطردوها من حياتهم، فلم تكترث؛ فهي لم ترى منهم سوى القسوة والجحود لقد وجدت حريتها في وفاة والدها وطلاقها وترك عائلة لم تشعر يوما أنها جزء منها وخلعت الحجاب آخر ما يربطها بسلسلة القهر التي عانتها، واشتركت في أحد النوادي الذي أشترك به لتمضية وقت فراغها هناك حتى لا تشعر بالوحدة.

بعد تجربة زواجها من عماد كرهت ميار جميع الرجال وأصبح الجميع في نظرها همج يستحقون الضرب بالرصاص، ومن ضمنهم هيثم خطيب علياء رغم تظاهرها بأنهم أصدقاء فهي تكرهه كما تكره كل الرجال وتشعر أنه لا يحب علياء ولكنه يمثل الحب للارتباط بها والاستفادة من وجود والدها في مجلس الشعب وغنى أسرتها ولكن ميار كانت تسمح بتواجده في دائرتها لحبها لعلياء لا أكثر.


الفصل الثاني عشر


 

كنت متوترة أرزح الغرفة إيابا وذهابا، أدخن لفافة التبغ العاشرة وأحتسي القدح الثالث من القهوة، إنني لم أكن أعرف كيف يقرأنِ حمدي، إنه يقرأ أفكاري، لقد تعرفت عليه للتو في النادي، كان بصحبة هيثم وعلياء أصدقائي، لقد قرأنِ منذ الوهلة الأولى، لقد عرف أنني حاولت الانتحار مرارا دون أن أقول له ذلك ولم أقل أي شيء عن موضوع الانتحار لأصدقائي ولم يرَ أحدا رسغي ليرى آثار الانتحار، كيف قرأنِ بهذه السهولة، أخاف ممن يمكنه بسهولة قراءتي، كما أخاف وأكره جميع الرجال. وما زاد من توتري تلك النظرات التي ينظرها لي وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، من هذا الحمدي وكيف يتعامل معي كأنه يعرفني منذ زمن، دارت العديد من الأسئلة في عقلي وزادت من توتري وها أنا أشغل لفافة التبغ العشرون وأرزح غرفتي إيابا وذهابا ولا أجد إجابة واضحة لأسئلتي، وتذكرت أن حمدي أعطاني رقم هاتفه المحمول دون أن أطلبه منه، بل وأصر أن أسجله أمامه على المحمول الخاص بي كأنه يعرف مسبقا أنني سأرمي الورقة التي تحتوي على رقم هاتفه

تذكرت ما حدث في النادي حيث جلس حمدي مع هيثم وعلياء في انتظاري، لم أكن على علم بمجيء حمدي، فوجئت بحمدي يجلس مع صديقتي وحاولت الانصراف إلا أن علياء أصرت أن أجلس معهم، كان حمدي يحدق بي مما أزعجنِ بشدة وبدأت أشعر بالتوتر، ظنت أن صديقتي أرادت أن تفرض عليّ أمرا واقعا بمرشح جديد للزواج به.

لاحظ حمدي توتري وفتح بابا للحديث لكي يخفف عني هذا التوتر ويعرف مدى سوء حالتي النفسية

حمدي: اليوم في النادي، وأنا في طريقي إليكم، رأيت مشهدا صعبا للغاية، لقد رأيت رجلا يضرب امرأة وفهمت من سبّه لها أنها زوجته، لقد ضربها على مرئى ومسمع من الجميع ولم يتدخل أحد قط لإنقاذ هذه المسكينة من بين يديه، يا لها من همجية

هيثم: يا الله يا وماذا حدث بعد ذلك يا حمدي؟

حمدي: لا شيء يا هيثم حاولت أن اتدخل بينهم كي امنع عنها الضرب، كان رجلا همجيا بمعنى الكلمة وفكر ان علاقة ما آثمة تجمع بيني وبين زوجته وبسبب هذه العلاقة تدخلت لإنفاذها كاد أن يضربني أن أيضا يا له شخص مريض

علياء: صراحة لا أستطيع أن أتخيل أن هناك أحد بهذه العقلية حتى الآن، كيف يفكر من الأساس في ضرب زوجته سواء كان ذلك في الخفاء أم في العلن

هيثم: معكِ حق يا علياء من يفكر في ضرب أنثى ليس برجل، الرسول عليه الصلاة والسلام قال رفقا بالقوارير

حمدي: للأسف يا هيثم هناك بعض من الرجال يرى أن ضرب الأنثى رجولة، بل بالعكس من ذلك، فهذا إحساس بالنقص للأسف الشديد، ما رأيك يا أستاذة ميار؟

كنت شاردة أتذكر ضرب عماد لي وآخر واقعة ضرب التي جعلتني أحتاج لعلاج أكثر من واحد وعشرين يوما قضيت منهم أسبوعا كاملا في المستشفى ثم فوجئت بهم يحدقون بي فقلت معتذرة عن شرودي: "آسفة لقد كنت شاردة الذهن ماذا كنتم تقولون؟"

علياء وهي تنظر لي بتفهم لحالتي: "كنا نقول ان من يضرب سيدة هو شخص ناقص الرجولة"

ميار: إنه ليس رجلا من الأساس من يفتري على من هو أضعف منه ليس برجل.

حمدي: ولماذا الانفعال يا أستاذة ميار؟

- قلت وأنا في قمة توتري وانفعالي: "أبدا لست منفعلة"

استأذن هيثم وعلياء في الذهاب للمقصف لطلب بعض المشروبات لهم، كانت هذه حجتهما لترك حمدي وحده معي عله يستطيع تقييم حالتي، زاد توتري عندما تركتني علياء وحدي مع حمدي، ولاحظ حمدي التوتر الشديد لي فقال محاولا تخفيف هذا التوتر

حمدي: على فكرة أنا لست آكل لحوم بشر أو مصاص دماء أو سفاح كي توتري كل هذا التوتر وأنتِ وحدك معي، يمكنني الذهاب إذا كان ذلك يشعرك بالتحسن.

ميار: أبدا، أنا غير متوترة لماذا أتوتر؟

حمدي: هل كان زوجك يضربك يا أستاذة ميار؟

ميار: من قال ذلك!

حمدي: انفعالك عندما قصصت عليكم قصة السيدة التي كان يضربها زوجها

ميار: وهل أنت مُنَجِمًا كي تقرأ ما بداخلي، في الأساس كان انفعالي لأن هذا عمل همجي 

حاولت أن أداري توتري من قراءة حمدي لي وأن أظل صامتة حتى تأتي علياء، إلا ان حمدي فاجئني بسؤال جديد

حمدي: هل من الممكن أن أسألك سؤالا فضوليا؟

ميار: تفضل، لكن إذا لم يعجبنِ السؤال لن أجيب عليه

حمدي: من حقك بالطبع، كم مرة حاولتِ فيها الانتحار؟ 

مررت لا شعوريا على يدي على أماكن علامات الانتحار التي أداريها بقميص طويل الأكمام ثم قلت: "من قال إني حاولت الانتحار، ولما الانتحار؟!"

تأكد لحمدي أنني حاولت الانتحار من قبل عندما وجدني لا شعوريا أتلمس ذراعي ورسغي وتوتري البالغ من السؤال، طلبت منه بعد ذلك السؤال انتظار صديقتي في سكون، وبالفعل أتت علياء وهيثم عقب إشارة حمدي لهم بالمجيء، ولم ألحظ ذلك وقتها.

أصر حمدي على إعطاء رقم هاتفه لي وأصر على تسجيلي الرقم على الهاتف أمامه، هو يعلم علم اليقين أنه إذا أعطاني الرقم مدون على ورقة سوف أقطعها عقب إعطاء ظهري لهم، ولكن تسجيل الرقم على الهاتف سيجعلني أحاول الاتصال به، لشعوري أنه يقرأنِ دون أن يعرفني، لفضولي أن أعرف كيف قرأنِ.

تركتهم منصرفة لمنزلي، وأثناء قيادتي السيارة كاد القلق والتوتر أن يقتلني، أخاف أن يقرأنِ أحد بهذه السهولة خاصة إذا كان هذا الشخص رجل، وتذكرت عماد وما فعله. وصلت لمنزلي ولا أعرف كيف وصلت كادت أن تحدث لي أكثر من حادثة في الطريق لشرودي ولكني نجيت من الحوادث بأعجوبة وأخير وصلت شقتي.

عدت من شرودي فيما حدث بالنادي وطلبت من أم حامد أن تعد لي القدح الرابع من القهوة مع لفافة التبغ العشرون ولا أعرف ماذا أفعل، فتحت هاتفي على رقم حمدي أكثر من مرة أحدق بالرقم ولا أعلم ماذا أفعل حتى قررت أن أتحدث معه وأسأله مباشرة كيف عرف عني كل ذلك خاصة وأن لا أحد يعلم عن محاولات الانتحار.

في هذه الاثناء دخلت عليّ أم حامد بقدح القهوة وسألتني إن كنت تناولت شيئا لآكله أم تعد لي الطعام، فوجئت أم حامد بجوابي أنني لم تناول أي طعام منذ خرجت في الصباح الباكر وحتى الآن (الثامنة مساءا)، أشفقت عليّ أم حامد وأصرت أن تعد لي الطعام، استسلمت لإصرارها على تناول الطعام، فأنا حتى الآن لم أستطع مقاومة الإصرار على فعل شيء حتى وإن كنت لا أريده لم أعْتَدْ بعد على الرفض التام لكل ما يقلقني أو ما أرغم عليه.

أنا فتاة في الحادية والثلاثين من عمري، قمحية لون البشرة، سوداء الشعر، خلعت حجابي وأصبحت أترك دائما شعري يتمرد على ظهري دون أن أقيده بأي شيء، أحب تمرده على ظهري، أجد أن تمرده جزءا من تمردي هي على الحياة والمجتمع، أنا متوسطة الطول، أرتدي دائما ملابس ذات أكمام طويلة لكي تخفي آثار الانتحار عن الجميع، تخرجت في الجامعة الأمريكية في كلية الترجمة وأعمل مرشدة سياحية في احدى الشركات، أعيش بمفردي في شقة في المعادي بعد طلاقي من زوجي عماد.

تتكون عائلتي من والدي عبد الهادي ووالدتي توحيدة، أنا الابنة الوحيدة لعبد الهادي وتوحيدة رزقا بي بعد انتظار دام عشر سنوات، أنا الابنة الوحيدة ولكني ليست مدللة، يرى عبد الهادي أن تدليل البنات يفسدهن وأن الشدة هي أفضل طريقة في تربية الإناث، لم أشعر بأي انتماء لتلك الاسرة، أشعر دائما أنني جئت غلطة في حياة هذه الاسرة نظرا لأسلوب الشدة المتبع في الأسرة.

لم يعارض والدي الدراسة بالجامعة الأمريكية ولا عملي كمرشدة سياحية في احدى الشركات الكبرى، ولكنه كان يعارض المبيت خارج المنزل، أو التأخر لما بعد السابعة مساءا في العمل. لا أسافر مع الأفواج بل أكتفي بالأفواج السياحية داخل القاهرة فقط، عانيت كثيرا لكي أكون كما أردت، أجبرني والدي على ارتداء الحجاب وأنا في المرحلة الإعدادية، فكان حجابي مجرد قطعة من القماش تداري شعري، أما ملابسي فكانت دائما البنطالون الجينز مع قميص ذي أكمام طويلة –كي أخفي آثار محاولات الانتحار -والكوتشي، حاولت كثيرا الانتحار بكافة السبل والوسائل إلا أنني كنت أنقذ في اللحظة الأخيرة.

تعرفت في العمل على علياء زميلتي وصديقتي المقربة، تعلم علياء مدى قسوة عائلتي ميار وتعلم طردهم لي من حياتهم وتبرأهم مني بعد ما فعلته بعماد ورفع قضية طلاق، وقراري العيش بمفردي في شقتي بالمعادي بعد الطلاق.

علياء هي صديقتي في العمل في الخامسة والعشرين من عمرها لم تتزوج بعد ولكنها مخطوبة من زميلها بالعمل هيثم وهما يحبان بعضهما البعض وعلى وشك الزواج بعد فوز والد علياء في انتخابات مجلس الشعب، علياء متوسطة الطول ونحيفة بعض الشيء لا ترتدي الحجاب تحب لبس الملابس ذات الماركات العالمية إلا أن ملابسها رغم أنها من ماركات عالمية لا يتعارض مع تربيتها الصعيدية وهي تضع مساحيق تجميل وعطور ذات ماركات عالمية، وتعيش مع عمتها في القاهرة نظرا لأن أسرتها تعيش في محافظة أسيوط بصعيد مصر، فهي ميسورة الحال إلى جانب أن ما تتقاضاه مقابل عملها في الارشاد السياحي مبلغا كبيرا يساعدها على حياتها الرغدة، وقفت علياء بجانبي في محنتي مع زوجي وحتى طلاقي منه وبعد الطلاق اقترحت عليّ الاشتراك في النادي لتمضية وقت الفراغ ونصحتني بالعمل في الافواج الكبيرة التي تجوب مصر كلها ليتضاعف راتبي وبالفعل وافقت على ذلك، وأصبحت أجوب جمهورية مصر العربية مع الأفواج المختلفة وتضاعف دخلي من الشركة.

حاولت علياء التخفيف عني وحاولت إدخالي في علاقات جديدة للزواج ولكنها فشلت فشلا ذريعا لخوفي من الرجال وكرهي لهم، فوجدت علياء ضرورة خضوعي لعلاج نفسي إلا أنني أرفض هذا الموضوع لنظرتي أن من يذهب للطبيب النفسي هو بالضرورة مجنون وفاقد الأهلية.

ولاء: كتير اللي مريتي بيه هو في أهل صعب كده، فين الحب والحنية

ميار: دي كلمات مش موجودة في قاموس حياتهم

فريدة: شكل علياء قريبة منك جدا

ميار: قريبة جدا وأكتر من أختي

شذى: بس ليه شايفة إن مساعدة الطبيب النفسي بتكون لفئة محددة، بالعكس كلنا محتاجين مساعدة طبيب نفسي من وقت للتاني

ميار: دي كانت نظرتي وقتها، ايه دا علياء جت أهي شكلها جاية مخصوص ليا

علياء: أهلا يا ميور وحشتيني يا بنتي، اهلا بيكم

شذى: اهلا بأخت ميار الروحية

علياء: هي ميار قالت لكم

ميار: بحكي لهم قصة حياتي ووقفت عندك لما جيبتي حمدي النادي ايه رأيك تكملي إنتي الحكاية بما إنك هنا

علياء: حاضر طالما دي رغبتك

شذى: واضح شدة قربكم من بعض عشان تعرفوا التفاصيل الصغيرة عن بعض

علياء: كل واحدة فينا تعرف عنت أختها أكتر من اختها تعرفه عن نفسها

فريدة: ربنا يهديكم لبعض وما تبعدوش عن بعض ابدا

ميار وعلياء: يا رب

الفصل الحادي عشر


 

المستشفى

الدكتور بيوجه كلامه لأمير في مكتبه

د.أمير أنا ح اكتب لدكتورة شذى على خروج، بس المهم ان حضراتك تعرف:

لازم تغيروا جو ضروري، عشانكم انتم الاتنين محتاجين دا

ولازم تعرف برضه انها خايفة من حاجات كتير جدا ممكن تبعدك عنها ومنها موضوع انها مش ح تقدر تخلف ابدا

عندها احساس رهيب بالوحدة ناتج عن احساسها ببعدك عنها، حاولوا تتكلموا مع بعض وتقربوا من بعض اكتر

العلاج اللي هـ اكتبه يتاخد في مواعيده ومواعيد الزيارة هـ نتفق عليها دي أهم حاجة لازم حضرتك تعرفها

شقة أميروشذى

أمير (بعد ما دخّل شذى أوضة النوم): الحمد لله على سلامتك يا شذى محتاجة حاجة اعملها ولا عايزة تريحي الأول؟

شذى: لا يا أمير يا ريت نتكلم دلوقتي أنا كويسة الحمد لله، أنا لغاية دلوقتي مش عارفة في ايه حصل لكل اللي انت قلته؟

أمير (بعتاب وحب): في الأول كده حبيبتي أنا آسف على الأسلوب اللي اتكلمت بيه معاكي، أنا كنت غضبان ومتعصب من الكلام اللي شفته، اتجرحت جامد منه ما تعرفيش أد ايه، غيرت عليكي وخوفت عليكي من الناس دي، على أد ما بحبك على أد ما حسيت بالنار وان دمي بيغلي. كان صراع مشاعر مش عارف اوصفهولك غيرتي كراجل وخوفي عليكي وقلقي من الناس اللي انت بتكلميهم عايزين منك ايه؟  ده غير الوساوس الي هجمت عليا مش عارف منين ,ما حستش بأي حاجة، وفي لحظة انفعال اتعصبت وضربتك.

شذى: انت شكيت فيا؟

أمير: عمري ما أشك فيكي، أنا غيرت عليكي وخفت عليكي، الكلام اللي شفته كان صعب عليا اني اقبله. انا مش قادر اتصور ازاي استاذة جامعية معاها دكتوراه في علم الاجتماع مش عارفة ان الكلام على الشات من رجالة بالطريقة دي معناه ايه؟ ازاي مش فاهمة ان الناس دي قصدها انها تستغل ضعفك واحتياجك للكلام لمصلحتها هي الشخصية ومتعتها.

شذى: بس الكلام المتجاوز دا كان في حلول مشاكل مش خاصة بيا أنا دا كان في حلول مشاكل لناس طلبت حل مشاكلها وكانت مشاكلها من النوع دا

أمير: يا شذى الراجل لما بيتكلم كده وبالطريقة دي قصده انه يحصل على متعة الكلام، والا الكلام كان يبقى بطريقة علمية، انتي معقول ساذجة قوي كده ولا طيبة زيادة عن اللزوم؟

شذى: الناس دي عرضت مشاكلها، ومنهم واحد اتصاحبت عليه وكانت مشكلته شبه مشكلتي، واتكلمنا وهو كمان كان بينصحني، انت كنت بعيد عني قوي.

أمير بيقاطعها: مفيش حاجة اسمها صداقة بين راجل وست ، أنا مش مؤمن بيها لأنها في النهاية طريقها واحد اما حب أو علاقة . وانتي متجوزة يبقى ح تبقى النهاية خيانة لجوزك

شذى (مش عاجبها الكلام وبتقاطعه): ازاي يا أمير، اذا كنت انت نفسك كنت من صحابي قبل الجواز وانت عارف احنا اتجوزنا ازاي، ورغم الصداقة الحب ما حصلش غير بعد الجواز بوقت أد ايه، أنا لو عايزة أحب حد غيرك، كنت عملت دا في الفترة اللي انت بعدت فيها عني واهتميت بشغلك وحياتك العملية ونسيتني ونسيت اني موجودة.

أمير: حبيبتي العلاقة اللي انت بتتكلمي عليها كانت مرتبطة بزمالة العمل اه في ود واحترام وتقدير انما كلمة صداقة دي حاجة تانية متنفعش تكون بين راجل وست وكمان متنسيش ان كان فيه مشاعر ليا ناحيتك وهي اللي خلتني اعرض عليك الجواز. يعني مثلا تقدري تقوللي ايه اللي يخلي واحد متجوز وقاعد مع مراته وفي وسط عياله ويبقي بيفكر في واحده تانية انه عايز يتكلم معاها ويبقي بيستريحلها لدرجة انه يكلمها في حاجاته الخاصه دونا عن اي حد تاني تفتكري لو اتعكس الوضع وكنت انا اللي بكلم واحده تانيه بالراحه دي وبالاسلوب ده كنت هتتقبلي ده , كنت هتقبلي عذري انها صديقتي وبحب اتكلم معاها . تقدري تقوللي يعني ايه راجل يدخل علي النت مخصوص عشان يدور علي واحده يتكلم معاها باسلوب مفتوح مفيش فيه مراعاه لاي اداب اخلاقيه تفتكري عايز ايه عايز ياخد رايها في مشكله ولا عايز يشبع جواه رغبة مش قادر يطلعها في الحقيقة , مسالتيش نفسك ازاي يبقي فيه راجل عنده نخوة الرجوله او الحد الادني من الاخلاق انه يعرف واحده متجوزة ويبقي بيتكلم معاها بالاسلوب ده  , تفتكري لو كانت مراته هي اللي مكانه كان هيقبل ويقول عادي صداقة يا شذي العلاقه بين الراجل والست لازم يبقي ليها حدودها لازم تكون في اطار واضح ومحدد سواء كان نقاش او زماله او عمل او علاقة احترام متبادل للراي والفكر لكن الصداقه دي حاجة تانية فيها مشاعر , اسرار , ارتباط بالصديق والاحتياج ليه في الشده والحاجات دي لو اتوجدت بين راجل وست لازم تنتهي بحب وجواز او السقوط في علاقه اللهم اعلم مداها

شذى: أنا ما كنتش محتاجة حبيب، أنا كل اللي كنت محتاجة ليه حد يسمعني واتكلم معاه، حد يفهمني كويس ويفهم أنا بفكر في ايه. أنا حسيت مرة واحدة اني كبرت خلاص وما بقتش مالية عينك وانك خرجت بره البيت زهق مني، انت دخلت الكهف يا أمير من 3 سنين وما خرجتش منه ورافض تخرج.

أمير (مستغرب): طيب ما اتكلمتش ليه، ليه ما حاولتيش تفهميني؟

شذى (بدأت عنيها تدمع): حاولت اقولك كتير انا محتاجة ليك جنبي، أنا محتاجة حضنك قوي ومحتاجة كلامك الحلو اللي كنت بتقوله، انت نسيت اني ست، اتجننت مع ظهور أول شعرة بيضا في شعري وانا 40 سنة وأنا مش قادرة اجيب طفل، واحساسي بالعجز ح يقتلني، ح ترد وتقولي ايه الجديد، الجديد اني ست بحتاج اسمع كلمة بحبك باستمرار حتى لو كل افعالك بتقولها محتاجة اسمعها، محتاجة انك تحضني، مش عشان حاجة بس تحضني عشان احس اني ست اني موجودة، أنا بحبك يا أمير ، حب عمري ما تخيلت اني أحبه لحد، ومعاك حسيت انك كل حاجة ليا أبويا وأخويا وابني وحبيبي وجوزي وكل ما ليا، فجأة لقيتك بتبعد في وقت أنا في أمس الحاجة اليك وقت بسمع فيه كلمة بحبك من ناس كتير اكتر ما بسمع كلمة صباح الخير. وناس ما اعرفهاش ناس بتقولي صراحة انها معجبة بيا، مش فارق معايا كلامهم عارفة ان اللي يعرف اني متجوزة ويقولي الكلام دا يبقى مش محترم. بس كان فيه جزء مني محتاج يسمع الكلام دا ويحس بالإحساس دا حتى لو من حد غيرك. أنا مش برر لنفسي بس أنا محتاجة أحس بالحب أحس اني موجودة اني واحدة ست اني لسه مرغوبة وعدم الانجاب مش نقص فيا. انت فاهمني؟

أمير (مش مستوعب): أنا عملت فيكي كده، طب ليه ما زعقتيش ما اتخانقتيش ليه ساكتة؟

شذى (بدأت دموعها تنزل زي المطر) : فاكر الشهر اللي فات لما طلبت منك اننا نسافر وانت قلت مش فاضي، ولما قلت لك محتاجة نقعد مع بعض كل اللي انت عملته علاقة ما اخدتش ثواني وكنت مش حاسس بيا فيها، ما كنتش محتاجاها أنا كرهتك قوي ساعتها وكرهت كل حاجة، انا كنت عايزاك تحضني وتقولي بحبك مش اكتر من كده

أمير (وهو كمان بدأت عنيه تدمع بس متماسك): ياااااااااااااااااااااه يا شذى، انتي مجروحة مني قوي كده؟أنا عمري ما فكرت أبعد أو أجرحك، أنا كل اللي كنت بفكر فيه اني أحاول أرفع من المستوى المادي عشان أقدر أحقق كل اللي بتتمنيه عشان ما تحسيش انك ناقصك حاجة، أنا بحبك جدا وعمري ما تخيلت اني ممكن أجرحك كده أو أضايقك كده

شذى (مش قادرة تمسك نفسها من العياط): على فكرة أنا بحبك جدا، وعمري على الرغم من الفضفضة اللي كنت بفضفضها ما سمحت لحد يتكلم معايا عن علاقة خاصة بينا، كان ممكن افهم الناس كلام عام عن الدور اللي ممكن العلاقة الخاصة تساعدهم بيه على التفاهم بينهم لكن عمري ما دخلت في علاقة أو تفاصيل علاقة، أنا ساعات كنت بتجاوز في الهزار بس ساعات مش كتير، بس والله يا أمير عمري ما فكرت اني اخونك أو اعمل اي حاجة تجرحك، رغم اني حسيت بجرح كبير منك

أمير (بيحضنها وبيمسح دموعها): دموعك دي غالية عليا قوي، اوعي تبكي تاني انتي أغلى عندي من نفسي، سامحيني يا حب عمري لو غلطت في حقك، ولو لقيتيني بعدت عنك تاني زعقي قولي واتكلمي ان ما كنتيش تتكلمي معايا بصراحة وتفضفضي ح تتكلمي مع مين. بحبك يا شذى بحبك.

شذى بتحضن أمير قوي وبتعيط ومش لاقية كلام ترد بيه غير دموعها وهي بتقوله بحبك

أمير (بيحضنها وبيمسح دموعها): بحبك قوي وعامل لك بقى مفاجأة، أنا اعتذرت ليا وليكي عن الكنترول التيرم دا، وح نجدد شهر العسل بتاعنا أنا وانتي ونسافر مرسى علم فاكرة شهر العسل بتاعنا، ح نسافر هناك أنا حجزت في نفس الفندق ونفس الغرفة، وعلى فكرة فريد ومصطفى كمان ح يجوا معانا ونطلع مع بعض أسبوعين.

شذى (لسه في حضن أمير وماسكة فيه زي طفلة صغيرة متعلقة في حضن باباها): سامحني والله ما كان قصدي أجرحك

أمير: أنا نسيت خلاص. بس خدي بالك من الناس وبلاش حسن النية اللي بتتكلمي بيه دا، احنا في زمن صعب وللأسف الرجالة بستغل فيه ضعف الست وبتحاول توصل لأكتر مصلحة تقدر توصلها.

---------------------------------------------------------------------------------------

فندق شهر العسل في مرسى علم

أمير: يااااااااااااااااااااااه بقالنا أد ايه ما اتجمعناش كلنا كده، ومبروك عليك يا فريد دعاء ومحمد

فريد (وهو بيضحك): الله يبارك فيك، هو انت كنت فاضي لنا يا عم، كل ما نسأل عليك في الجامعة، عنده ندوة، عنده كنترول بصراحة مش عارف مراتك كانت بتشوفك امتى، واكيد كانت بتقر عليك زي ما بتقر عليا وانك مكنزهم على قلبك اد كده، وجاتنا نيلة في حظنا الهباب

شذى (بتضحك جامد على كلام فريد وتقليده ليها): يخرب عقلك يا فريد انت لسه فاكر، انتي جوزك دا مش بينسى ربنا يكون في عونك يا فريال

فريال (بتضحك): بطل هزار يا فريد ليفتكروا انك بتتكلم جد، بصراحة مش عارفة يا شذى اشكرك ازاي

شذى: تشكريني على ايه ربنا كان كاتب لك انك تخلفي والحمد لله انك خلفتي على طول وربنا رزقك بالولاد (بتهريج وضحك) ومافكرتيش تسمي شذى، ماله شذى وحش يعني ولا قديم

أمير (بيبص لشذى وبيغمز لها ويضحك): أحلى اسم طبعا

مصطفى (وهو بيضحك): مفيش فايدة فيكم مش بتكبروا أبدا ح تفضلوا عيال كده على طول

ريهام: شذى طول عمرها دمها خفيف ومش بتبطل ضحك

فريد: عارفين لما كنت في ألمانيا أخر مرة واحنا رايحين عشان حمل محمد كان مين هناك؟

كلهم مع بعض في نفس واحد: مين؟

فريد: د. جون جراي

شذى: تقصد مؤلف كتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة ؟

فريد: تمام هو، كان في برلين وكان بيدي محاضرة هناك، حضرتها أنا وفريال وكنت سعيد جدا

شذى: سعيد ليه ان شاء الله؟

فريد: بصراحة الكلام اللي قاله كان كلام مهم جدا، المحاضرة كانت أكتر من رائعة

شذى: هو موضوع المحاضرة كان عن ايه؟

فريد: الفروق في الاحتياجات العاطفية للرجل والمرأة

أمير: الموضوع دا مهم جدا فعلا وللاسف الجهل بيه بيعمل مشاكل كتير

مصطفى: فروق وقرف ايه اخترعوا بقى

أمير: بص يا مصطفى الطبيعي ان الراجل احتياجاته العاطفية مختلفة عن الست وكمان نظرته للحياة، والمشاكل اللي بتحصل في حياتنا في الغالب سببها ان الراجل والست كل واحد فيهم بيترجم تصرفات اللي قدامه وفقا ليه هو مش للشخص التاني وبالتالي بيحصل سوء تفاهم

شذى (بتكمل): يعني يا مصطفى بالنسبة للست بتحس بالحب اكتر لما تلاقي نفسها نمرة واحد في حياة جوزها واهتماماته وطبعا الراجل مفيش عنده موضوع الترتيب دا، هو بيدي كل موضوع أهميته على حدى حسب وجهة نظره الشخصية ولو ما كانتش الست في الوقت دا حاسة انها محور الاهتمام هنا بتبدأ تقلق وتحس انها فقدت الحب (مع نظرة من غير ما حد ياخد باله لأمير)

 أمير (أخد باله من النظرة وابتسم في خباثة): الراجل هنا التفضيل بالنسبة ليه بيكون حسب ايه اللي لازم يتعمل دلوقتي لو المشكلة في الشغل يبقى الشغل ولو مثلا الزوجة مريضة يبقى الاهتمام بالزوجة، بس فيه ناس بتفضل اهتمامها بالشغل وجمع الفلوس وتنسى انها متجوزة وان الزوجة من حقها تحس بأهميتها ومكانتها حتى لو هو اداها الاحساس بس من غير ما يكون في الوقت اهتمامه الاكبر بيها، أما الراجل بقى يحس بحب الست أكتر لما يحس انها شخصيتها قوية على كل الناس وتيجي عنده هي تحسسه انها قوية بيه، وان هو سر قوتها،

ريهام: ازاي بقى يا فلاسفة أنا مش فاهمة حاجة

فريد: بصي يا ست الكل، لو انتي وجوزك مثلا

مصطفى مقاطع: ابعد عني يا ابني واتكلم عن نفسك

فريد (بيضحك): حاضر، مثلا أنا ومراتي في البداية انا حبيتها لانها كانت مهتمة بيا ومقدرة شغلي وكمان بتحسسني اني نمرة واحد في حياتها وانها بتسمد قوتها في التعامل مع الآخرين مني أنا، وانها فضلتني على كل الناس عشاني أنا مش عشان حد غيري، تحسسني انها رغم قوتها ضعيفة قدامي

فريال (بتكمل): وهو كمان رغم ان اهتمامه بشغله كبير عشان يقدر يحسن وضعه ومركزه لكن يوم ما لقى انه محتاج يضحي بالشغل شوية عشاني لأني محتاجة دا، فعلا أخد الأجازة واستلف وحوش عشان نقدر نسافر واتعالج وأخلف ولادي. لو ما كانش عمل كده أنا كنت ح أحس اني مهملة مش مهمة في حياته. لما بكون متضايقة حتى لو منه بيسمعني وبيكون رده عليا كلمة حلوة أو حضن دافي، هو عارف اني بحكي عشان افضفض فسابني افضفض براحتي وأقول اللي أنا عايزاه. وفي مقابل دا لما بلاقيه مشغول عشان الشغل ببعد عنه، مش بحاول أضغط عليه.

مصطفى( بتريقة ومش عاجبه الكلام): ولما تكونوا بقى يا فلحوص منك له ليها مخنوقين مع بعض في نفس الوقت بتعلموا ايه نجيب حكم من بره يحكم في الماتش

أمير (بيرد على مصطفى): بص يا درش، في الحالة دي لو احنا بنحب بعض فعلا كل واحد يقدر يتنازل شوية عشان التاني، يعني انا مثلا عارف انها لو مضغوطة من الشغل والمشاكل مش عايزة مني حلول في الغالب محتاجة احساس الحب والاهتمام، لو مش قادر اسمع ممكن احاول امثل شوية او اعتذر اني تعبان مش قادر

شذى بتكمل: والمفروض اني اراعي دا، لأنه هو كمان لما بيتعرض لضغوط بيحتاج يكون لوحده يفكر ح يعمل ايه. لو فهمنا الحاجات دي واتعاملنا على اساسها ح نستريح. لما نعرف ان الست الحب والامان عندها في الأولويات وعند الراجل الثقة فيه واحساس الآخر بالاحتياج له ح نستريح.

ريهام (وهي بتضحك): طب ياله يا فلاسفة نقوم نتمشى شوية العيال عايزة تلعب شوية

شذى (بتهرج): جاتنا نيلة في حظنا، يعني العيال أهم مننا، يا ريتنا كنا عيال. بقول لكم ايه أنا رايحة أوضتي أريح شوية جيبتولي صداع رغي رغي ايه دا

أمير : استني يا شذى أنا جاي معاكي

فريد ومصطفى (بضحك وفي نفس واحد): الله يسهلوا يا عم

وبعد ذلك ظللت أنا وأمير معا في حب وتفاهم مستمر لم تفرق بيننا المشكلات كما فعلت سابقا، وأصبح هو يراعي احتياجاتي من الحب والحنان ولوجوده، تفرغ من بعض الأعمال وكان يسافر مؤتمراته معي يحضر المؤتمر صباحا وخرج سويا مساءً شعرت أنني بالفعل محور اهتمامه، لم يهتم بطفل أمامي حتى لا يجرح مشاعري حقيقة ظل على حبه حتى توفى منذ شهر تقريبا فقررت أن آتي إلى دار المسنين هنا لكي أجد الونس ووجدتكن.

ميار: طب ليه ما روحتيش لحد من اخواتك؟

شذى: عشان كل واحد له حياته مشغول فيها ومحدش ح يقدر يعوضني فقدان أمير، هما زعلوا صحيح لما قررت آجي الدار هنا بس اتفهموا الوضع، ما ينفعش أكون ضيف تقيل على حد وكمان مش قادرة أقعد في شقتي من غير أمير كل ركن فيها بيفكرني بيه

ولاء: طب عاملة ايه في الجامعة؟

شذى: عادي ح اروح المحاضرات من هنا وأنا كمان جبت كل كتبي ومراجعي معايا ولو احتجت حاجة تاني ح ابقى اروح اجيبها من الشقة، المهم أني احس اني مش لوحدي ما قدرتش انام الشهر اللي فات، مش عارفة ادخل البيت من غير أمير وجوده كان مالي حياتي كلها صوته في كل زاوية وركن في الشقة نفسه في كل شيء كنت ح اتجنن لوحدي كنت بكلمه وانسى إنه مات ومستنية يرد عليا

فريدة ببكاء: يااااااااااه يا شذى اد كده كنتي بتحبيه؟

شذى: كنت! أنا لسه بحبه وح أفضل أحبه لآخر يوم في عمري كان راجل بجد

ميار: فكرتيني بحمدي الله يرحمه

شذى: حمدي مين؟

ميار: دكتور حمدي جوزي الله يرحمه

فريدة: خلاص يا ميار يبقى أنتي اللي تحكي لينا حكايتك بعد ما شذى نكدت علينا وضحكتنا وفي الآخر قاعدين نعيط جنبها

شذى: الحياة كده ضحك ودموع، سعادة وشقاء ولازم نعيشها زي ماهي

ميار: ح أحكي لكم وح أبدأ من يوم ما شفت حمدي أول مرة وازاي الحياة كانت معاندة معايا


 

الفصل الثالث ستيلا

  أرتدي سترة أفلو الزرقاء، وأضعها في مكانها حول جذعي بمساعدة بارب. إنها تشبه إلى حد كبير سترة نجاة، باستثناء جهاز التحكم الذي يخرج منها. في ...